في سعيهم الدائب وراء المعرفة الراسخة شَكَّل الوصول إلى القطع واليقين هاجسا كبيرا في أذهان علماء المسلمين، لا سيما هؤلاء المعتنون بتقرير (( الأصول ) )بشقيها:
• الأصول العقدية أو (( أصول الدين ) )واهتم بتقريرها المتكلمون.
• والأصول العَمَلية أو (( أصول الفقه ) )واهتم بتقريرها الأصوليون.
فهاهم المتكلمون لا يعتمدون في تقرير مسائلهم إلا على الأدلة القطعية، أما الأدلة الظنية فهي لا تستحق حتى مسمّى (( الدليل ) )لذلك سموها ـ وتابعهم على ذلك بعض الأصوليين [1] ـ بـ (( الأمارة ) ). وهاهم الأصوليون يشترطون في أكثرهم في الدليل الأصولي أن يكون قطعيا، ولذا فالعمل بالإجماع وبخبر الواحد وبالقياس، حتى مع الخلاف في كل ذلك، ثابت عندهم بأدلة قطعية. وها هو ابن السمعاني، صاحب أجل كتب الشافعية في الأصول نقلا وحجاجا ـ على حد زعم الزركشي [2] ـ يسمي كتابه هذا بـ (( قواطع الأدلة ) )، بل هاهو الشاطبي (( المجدِّد ) )يقرر في أول كلمة من موسوعته العظيمة (( الموافقات ) )بأن (( أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية ) ) [3] ، ويقيم نظريته كلها في (( الاستقراء ) )سعيا وراء غاية واحدة هي الوصول إلى القطع.
بحال إبراهيم، عليه السلام، في سعيه وراء ثلج اليقين عندما قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة:260) ، أشبِّه حال علماء المسلمين. لكنَّ سيدنا إبراهيم، عليه السلام، وجد من خرق له العادة وأوصله إلى ثلج اليقين، أما المتكلمون والأصوليون فلا أظن أن هذا قد تيسر لهم.
وعلى أية حال ما سنراه خلال هذا البحث هو عرض لإشكالية القطع عند الأصوليين خاصة، ومحاولة لا أكثر لحل هذه الإشكالية، وذلك من خلال ثلاثة مطالب وخاتمة.
المطلب الأول: التعريف بالقطع.
المطلب الثاني: موانع القطع.
المطلب الثالث: الحلول الأصولية لإشكالية القطع.
وخاتمة: في نتائج البحث.
(1) كأبي الحسين البصري والآمدي، بل زعم الآمدي أن هذا هو اصطلاح الأصوليين وخُطِّئ في ذلك. انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 1، ص 5. والآمدي، الإحكام، ج 1، ص 27. والشيرازي، اللمع، ص 5.
(2) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 3.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 29.