ج. الظن القوي، وهو يكاد يقارب القطع، وتتراوح نسبة الإدراك فيه بين 96% و 99%.
ولهذا التفريق فوائد عملية في أكثر من مجال في أصول الفقه، وستظهر واحدة منها في مجال بحثنا هذا كما سنرى لاحقا إن شاء الله تعالى.
5.علاقة توصف بـ (( العلم ) )أو (( القطع ) ): وهو إدراك كامل للشيء، أي أن نسبة الإدراك للشيء تساوي 100%.
هذا، ومما يلتبس كثيرا بـ (( العلم ) )و (( القطع ) )الاعتقادُ الجازم المطابق للواقع الناشئ عن تقليد لا عن دليل، وقد جلَّى الغزالي الفرق بينهما بقوله:
(( وجه تميز العلم عن الاعتقاد هو أن الاعتقاد معناه السبق إلى أحد معتقدي الشاك مع الوقوف عليه من غير إخطار نقيضه بالبال، ومن غير تمكين نقيضه من الحلول في النفس؛ فإن الشاك يقول: العالم حادث أم ليس بحادث؟ والمعتقٍد يقول حادث ويستمر عليه، ولا يتسع صدره لتجويز القِدَم، والجاهل يقول قديم ويستمر عليه. والاعتقاد، وإن وافق المعتقد، فهو جنس من الجهل في نفسه، وإن خالفه بالإضافة؛ فإن معتقِد كون زيد في الدار لو قُدِّر استمراره عليه حتى خرج زيد من الدار بقي اعتقاده كما كان لم يتغير في نفسه، وإنما تغيرت إضافته، فإنه طابق المعتقَد في حالة وخالفه في حالة، وأما العلم فيستحيل تقدير بقائه مع تغير المعلوم، فإنه كشف وانشراح، والاعتقاد عُقْدة على القلب، والعلم عبارة عن انحلال العُقَد فهما مختلفان؛ ولذلك لو أصغى المعتقِد إلى المشكِّك لوجد لنقيض معتَقَدِه مجالا في نفسه، والعالم لا يجد ذلك أصلا وإن أصغى إلى الشُّبه المشكِّكة، ولكن إذا سمع شبهة: فإما أن يعرف حلها وإن لم تساعده العبارة في الحال، وإما أن تساعده العبارة أيضا على حلها، وعلى كل حال فلا يشك في بطلان الشبهة بخلاف المقلِّد ) ) [1] .
هل لـ (( العلم ) )أو (( القطع ) )، الذي يمثل الرتبة الأخيرة في مراتب الإدراك، مراتب؟
هذه قضية شائكة، وفيها مذهبان:
أحدهما: أن العلوم تتفاوت.
والمذهب الآخر: أنها لا تتفاوت. واختاره إمام الحرمين قائلا: (( من أحاط بحقيقة العلم واعتقد العلوم كلها ضرورية لم يتخيل فيها تقديما ولا تأخيرا. نعم، الطُّرُق إليها قد يتخيل أن فيها ترتيبا في تعرضها للزلل، فأما العلوم في نفسها إذا حصلت على حقيقتها فيستحيل اعتقاد ترتيبها ) ) [2] .
(1) الغزالي، المستصفى، ص 22.
(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 110.