فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 60

ولأجل ما يضعه هذا الحل الحنفي من حدٍّ لمشكلة القطعية في دلالة الألفاظ فقد تبناه إمام الحرمين في مواجهته دعوى (( عزة النصوص ) )، فقال فيما علقه عنه الغزالي في المنخول: (( أما النَّص فقيل في حده: إنه اللفظ المفيد الذي لا يتطرق إليه احتمال ... ثم قال الأصوليون: لا يوجد على مذاق هذا الحد في نصوص الكتاب والسنة إلا ألفاظ معدودة، كقوله تعالى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص:1) ، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه} (الفتح:29 ) )) [1] ، ولذا فقد أعرض عن تعريف النص بالحد المذكور قائلا: (( والمختار عندنا أن يكون النص: ما لا يتطرق إليه التأويل على ما سيأتي شرط التأويل ) ) [2] . ومن شروط التأويل، كما تعلم، احتمال اللفظ ووجود الدليل الداعم لهذا الاحتمال، ومن هنا كان النص (= القطعي) في التعريف المختار لإمام الحرمين شاملا لنوعين من الألفاظ: ما لا يحتمل أصلا، وما يحتمل لكن لم يرد دليل يعضد هذا الاحتمال .. قال رحمه الله: (( ولو شُرط في النص انحسام الاحتمالات البعيدة كما قال بعض أصحابنا فلا يتصور لفظ صريح ... فالوجه تحديده بما ذكرناه ) ) [3] . أي أنه لا ينبغي أن نعرف النص بما لا يتطرق إليه الاحتمال كما ذكر البعض بل بما لا يتطرق إليه التأويل، وحينئذ سيدخل في التعريف كل لفظ لم يتطرق إليه تأويل حتى لو كان محتملا من حيث الأصل، وبهذا تكثر (( النصوص ) ). وعند تعداد الغزالي للاصطلاحات التي قيلت في النص ذكر هذا التعريف الذي ارتضاه إمام الحرمين لكن بصيغة أكثر تفصيلا قائلا: يُطلق النص على (( ما لا يتطرق إليه احتمالٌ مقبول يعضُدُه دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يُخرِجُ اللفظَ عن كونه نصا، فكان شرطُ النص ... [بهذا الاصطلاح] ... أن لا يتطرق إليه احتمالٌ مخصوص، وهو المعتضِد بدليل ) ) [4] .

وفي مرحلة متأخرة من نموِّ فكره الأصولي يبدو أن إمام الحرمين انتبه إلى ما ينبني عليه الحل الحنفي لإشكالية القطع من القول بعدم جواز تأخر البيان عن وقت الخطاب، وهذا ما لا يرتضيه الإمام نفسُه، ولا أصحاب المدرسة الأشعرية التي ينتمي إليها؛ ولذا فقد أضرب عنه في كتابه البرهان متبنيا نظرية أخرى بديلة في مواجهة القول بـ (( عزة النصوص ) )، هي: نظرية القرائن. وهي ما سنبحثه في العنوان الآتي.

ثانيا: نظرية القرائن:

قال إمام الحرمين:

(1) الغزالي، المنخول، ص 165.

(2) المرجع السابق.

(3) المرجع السابق، ص 166.

(4) الغزالي، المستصفى، ص 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت