والثاني: أن ثمة فرقا جوهريا بين (( فَصَلَ ) )و (( قَطَعَ ) )ينفي الترادف بينهما، فالقطع في أصله الحسي يكون بسرعة، ويمنع التواصل بين أجزاء الشيء نفسه، بينما الفصل ـ في الغالب ـ يكون ببطء أكثر ويمنع التواصل بين الأشياء المختلفة المختلطة والمتميزة في نفسها لا بين أجزاء الشيء نفسه، تقول: فصلت القمح عن الشعير، ولا تقول: قطعت، وتقول: قطعت الحبل، ولا تقول: فصلت. ومن هنا كان التفصيل بمعنى التبيين لأنه يمنع من الاختلاط ويوضح الأشياء بفصل بعضها عن بعض بعد أن كانت جملة واحدة مختلطا بعضها ببعض. أما القطع فلا يصلح له هذا المعنى.
ومحصِّلة القول هي أن: الكلام القاطع لغة، فيما نرى، هو الكلام المنهي للجدال والنقاش والخلاف في موضوع ما لأي سبب كان هذا الإنهاء. والله أعلم.
استعمل الأصوليون لفظ (( القطع ) )، ومشتقاته: كـ (( القاطع ) )، و (( القطعي ) )، و (( المقطوع به ) )، و (( القطعية ) )في مجالين من المجالات المتعلقة بالنص:
أحدهما: مجال ثبوت النص. فثمة من النصوص ما هو قطعي الثبوت كالقرآن الكريم، والسنة المتواترة، ومنها ما هو ظني الثبوت كخبر الواحد.
والآخر: مجال دلالة النص. فثمة ألفاظ تدل على معناها قطعا كألفاظ الأعداد مثلا، وأخرى تدل عليه ظنا كاللفظ العام في دلالته على الاستغراق مثلا.
والقطع في كلا المجالين يعني ـ عند جمهور الأصوليين ـ: العلم الذي ينتفي معه الاحتمال مطلقا. فالنص المقطوع بثبوته، هو النص الثابت عن الشارع بعلم ويقين ودون أدنى احتمال لكونه مكذوبا، أو أخطأ في نقله الرواة. والنص المقطوع بدلالته هو النص الذي نعلم أنه دال على معناه الواحد فقط دون أدنى احتمال للدلالة على أي معنى آخر.
والعلاقة بين هذا المعنى الاصطلاحي للقطع والمعنى اللغوي الذي فصَّلناه آنفا، تحتمل وجهين:
أحدهما: تخصيص معنى الإنهاء. أي أن القطع لغة كان يدل على إنهاء الشيء والمنع من استمراره، وفي الاصطلاح صار يدل على نوع خاص من الإنهاء وهو إنهاء الاحتمال.
والوجه الآخر: تخصيص سبب القطع. أي أن الكلام القاطع، لغة، قد يكون لسبب أو أكثر من الأسباب ككونه بليغا أو واضحا أو مفرقا بين الحق والباطل ... الخ، وفي الاصطلاح صار يدل على الكلام الذي يكون قاطعا لسبب واحد فقط، وهو الوضوح المطلق الذي ينتفي فيه احتمال الدلالة على أي معنى آخر غير المعنى المراد.
ولعل الوجه الأول أصح؛ لأنه يصدق على اصطلاح القطع في كلا مجالي النص: الثبوت والدلالة، أما الوجه الثاني فلا يصدق إلا على مجال الدلالة فقط، لأن النص المقطوع بثبوته لا يُشترط فيه كونُه واضحا بل قد يكون غامضا كالمتشابه من آيات الكتاب الكريم.