احتمال لا يرد إلا على نوع محدد منها، ثم إن النسخ قبل الفعل خاص بالمكلفين في عهد الرسالة أما بعد انقطاع الوحي فهذا الاحتمال ارتفع قطعا.
ثالثا: قوله بأن صيغ الأعداد تحتمل المجاز مسلَّم لكنه في ألفاظ محدودة منها كالسبعين والسبعمائة، وقبول بعض ألفاظ العدد للمجاز لا يعني قبولها جميعا له. وقوله بأن لفظ الجلالة يحتمل المجاز كما هو في {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر:22) ، فالجواب عليه أن كثيرين لا يسلمون بأنه مجاز، وإن سلمنا بأنه مجاز فالمجاز هنا ليس في لفظ الجلالة نفسه، وإنما في نسبة الفعل إليه لذلك هو مجاز بالحذف، وشتان بين التجوز في اللفظ نفسه والتجوز في نسبة شيء ما إلى هذا اللفظ.
رابعا: قوله بأن الاستثناء يرد على العدد، والاستثناء إخراج ما لم يُرد باللفظ وذلك عين المجاز، فالجواب عليه هو أن المتكلم إذا تلفظ بالعدد فلهذا اللفظ حالتان:
إحداهما: حالة في زمن التكلم، وهو في هذا الزمن لا يكون ذا دلالة قطعية لأن احتمال الاستثناء يرد عليه، فيحق للمتكلم أن يستثني من العدد بعد التلفظ به بشرط أن لا يطول الفصل بين الاستثناء والعدد.
والأخرى: حالة بعد زمن التكلم، ولفظ العدد في هذه الحالة يكون قطعيا ولا يرد عليه احتمال الاستثناء وذلك لعدم جواز تأخر الاستثناء عند الجماهير. وهذه الحالة هي الأصل في ألفاظ الأعداد لأنها هي الحال الدائمة، أما الحالة الأولى فهي حالة لحظية تزامن التكلم باللفظ ثم تضمحل عن قريب. وما قاله القرافي محمول على الحالة الأولى، وهي لا تتأتى في كلام الشارع لأنه استقر وانتهى.
وبغض النظر عما سبق كله فمن وجهة نظرنا إن مدى احتمالية النص أو قُل: وضوح النص يتوقف على عدة عوامل غير الاحتمالات التي ذكرها أصحاب دعوى (( انتفاء النصوص ) )، وهذه العوامل هي ما سنتكلم عنه في الفرع الآتي:
تتوقف قوة دلالة النص من حيث الظنية والقطعية على عاملين أساسيين:
أحدهما: المادة اللغوية للنص.
والآخر: السياق (المقالي والحالي) الذي ورد فيه النص.
فأما المادة اللغوية للنص فهي جملة المواد المعجمية والصرفية والنحوية التي يتكون منها هذا النص. ودرجة قوة هذه المادة في الدلالة على مراد المتكلم من النص يتوقف بدوره على ثلاثة عوامل: