وقد يستخدمون القطع لا سيما بصيغة اسم الفاعل (( قاطع ) )في مجرد الجزم بغض النظر عن كون هذا الجزم نتج عن علم أم نتج عن تقليد، ومن هنا قال الإسنوي: (( القطع أعم من العلم، إذ المقلد قاطع وليس بعالم، وكل عالم قاطع ولا ينعكس ) ) [1] .
وإطلاق القطع على (( الجزم ) )هو من باب إطلاق السبب على مسبَبِّه، لأن الجزم ينجم لا محالة عن العلم فكل عالم قاطع كما قال الإسنوي آنفا.
وخلاصة القول في هذا المقصد: أن الأصوليين يستعملون مصطلح القطع ومشتقاته استعمالات ثلاثة:
أحدها: في العلم الناجم عن نفي الاحتمال مطلقا، وهو اصطلاح الجمهور.
والاستعمال الثاني: في العلم الناجم عن نفي الاحتمال إما مطلقا، وإما لعدم الوقوف على القرينة الداعمة للاحتمال، وهو اصطلاح الحنفية.
والاستعمال الثالث: في الجزم، سواء نجم هذا الجزم عن علم أو تقليد.
القطع ليس هو الاصطلاح الوحيد أو الأقدم في بابه عند الأصوليين، إذ لا نجده عند الإمام الشافعي (ت 204 ه) مثلا، بل نجد بدلا منه مصطلح (( الإحاطة ) )، أو (( علم الإحاطة ) )، ولعله استمده من كتاب الله تعالى في مثل قوله: {وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَىْءٍ عِلْمَا} (الطلاق:12) وقوله: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} (يونس:39) . قال، رحمه الله تعالى:
(( العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر. فالإحاطة منه ما كان نص حكم لله أو سنة لرسول الله نقلها العامة عن العامة. فهذان السبيلان اللذان يُشهد بهما فيما أُحل أنه حلال وفيما حُرِّم أنه حرام. وهذا الذي لا يسع أحدا عندنا جهلُه ولا شكٌّ فيه. وعلم الخاصة: سنة من خبر الخاصة يعرفها العلماء ولم يكلَّفها غيرهم وهي موجودة فيهم أو في بعضهم بصدق الخاص المخبر عن رسول الله بها. وهذا اللازم لأهل العلم أن يصيروا إليه، وهو الحق في الظاهر، كما نقتل بشاهدين، وذلك حق في الظاهر، وقد يمكن في الشاهدين الغلط ) ) [2] . وقال أيضا: (( فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد، فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم ردُّ ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة، كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله، ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تب، وقلنا:
(1) الإسنوي، نهاية السول، ج 1، ص 37.
(2) الشافعي، الرسالة، ص 478.