فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 60

كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول؛ وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة فات فهم الكلام جملة أو فهم شيء منه )) [1] .

وبهذا يكون الشاطبي قد مهَّد لنظريته في الاستقراء بأفكار أربع:

إحداها: اشتراط القطع في الدليل الأصولي.

والثانية: المعوَّل عليه في مسائل الأصول الأدلة الشرعية لا العقلية.

والثالثة: آحاد الأدلة الشرعية لا تفيد القطع بنفسها.

والرابعة: إفادة آحاد الأدلة للقطع عن طريق القرائن نادر أو متعذر.

ليقول بعد ذلك: (( وإنما الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع؛ فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق؛ ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه. فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموع يفيد العلم فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي بل هو كالعلم بشجاعة علي، رضي الله عنه، وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما ) ) [2] .

وبهذا يكون الشاطبي يعوِّل على الاستقراء، ولا شيء غير الاستقراء، في إثبات قضايا الأصول ابتداء، وهو بالفعل ما جرى عليه في كتابه الموافقات.

فيا ترى ما هو مقصود الشاطبي الدقيق بالاستقراء؟ وهل هو نفس الاستقراء الذي يذكره المناطقة في كتبهم والأصوليون في قسم الأدلة المختلف فيها؟ وما علاقته بالتواتر؟ وما الفرق بينه وبين التواتر المعنوي؟ وما علاقته بالقياس؟ وهل يفيد القطع حقا؟ وهل تفرَّد الشاطبي بالاعتماد عليه من بين الأصوليين؟ هذه أسئلة كثيرة ترد في هذا المقام، ولم أر من شفى الغليل في الإجابة عنها، وهي تحتاج منا إلى بحث مفرد، ولذلك نعتذر عن مزيد كلام في هذا الباب مكتفين بما أوردناه عن الشاطبي في عرض نظريته وتوضيحها. لكن مما تنبغي الإشارة إليه هو أن الاستقراء الذي قرره الشاطبي ذو أثر مزدوج في إفادة القطع؛ إذ إنه يفيد قطعية المعنى المستقرأ ثبوتا ودلالة، أي أنه يوفر حلا لإشكالية القطع في مجال الثبوت وفي مجال الدلالة معا، وإنما أوردناه هنا ولم نذكره في الحلول الأصولية لإشكالية القطع في مجال الثبوت، لأن المقصود بالدرجة الأولى في القطعية هو الدلالة، وقطعية الثبوت إنما تراد كتمهيد من أجل البحث في الدلالة.

رابعا: نظرية اللفظ الصريح:

هذه النظرية لم تكن في أصل نشوئها حلا أصوليا لمشكلة القطع بل فقهيا؛ ومن هنا اصطبغت بالصبغة العملية لا التنظيرية. وحاصلها أن الفقهاء ـ والأصوليون من بعدُ ـ قسَّموا

(1) الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 347.

(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت