الألفاظ الصادرة عن المكلفين ويترتب عليها أثر شرعي إلى قسمين: صرائح وكنايات. فاللفظ الصريح ـ كمن قال لزوجه (( أنت طالق ) )مثلا ـ لا يتوقف وقوعُ مقتضاه، وهو الطلاق في المثال، على التحقق من نية المكلف أو النظر في القرائن الحالية التي احتفت به عند تلفظه، أما اللفظ الكنائي ـ كمن قال لزوجه: (( الحقي بأهلك ) )ـ لا يقع مقتضاه إلا بعد التحقق من نية المكلف أو الوقوف على قرائن حالية تدل على إرادته الطلاق عند التلفظ. أي أنه لا يُقبل قول المكلف في تأويل اللفظ الصريح، ويقبل قوله في تأويل اللفظ الكنائي، فمن قال: (( أنت طالق ) )لا يقبل قوله: إني لم أرد الطلاق بل أردت طالقا من العقال أو القيد، أما من قال: (( الحقي بأهلك ) )، فيقبل قوله: إني لم أرد الطلاق بل مجرد اللحاق بالأهل لفترة مؤقتة.
وعلى هذا فقد تعامل الفقهاء مع اللفظ الصريح بأنه قطعي، أو بعبارة أدق، كالقطعي، ولذا فهو لا يقبل التأويل، ويترتب عليه الحكم المقرر له قضاء من غير نظر في نية المكلف أو بحث عن القرائن المحتفة به، مع أن اللفظ الصريح من الناحية اللغوية المجردة قد لا يكون قطعيا بل ظاهرا محتمِلا.
لكن هل يشمل الصريح كلَّ ظاهر؟ هذا ما قد يُفهم من كلام الزركشي عندما عرَّف الصريح في اصطلاح الأصوليين بأنه (( ما انكشف المراد منه في نفسه، فيدخل فيه المبيَّن والمحكم ) ) [1] ؛ لأن (( المبين ) )و (( المحكم ) )في اصطلاح الجمهور يشملان (( النص ) )و (( الظاهر ) ).
والذي نجده بعد التتبع هو أن استعمال مصطلح (( اللفظ الصريح ) )ليس واحدا بين الأصوليين، فبعضهم يقصره على اللفظ قاطع الدلالة وبالتالي يخرج الظاهر منه كما كنا قد أشرنا في موضع سابق من هذا البحث [2] ، وبعضهم يدرج اللفظ الظاهر فيه [3] . ومن جهة أخرى فإن بعض
(1) الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 249.
(2) انظر: ص 9.
(3) لا سيما عند حديثهم عن مسلك النص في مسالك التعليل. قال الغزالي: إثبات العلة بالدليل النقلي (( إنما يُستفاد من: صريح النطق، أو من الإيماء، أو من التنبيه على الأسباب. وهي ثلاثة أضرب. الضرب الأول: الصريح: وذلك أن يَرِدَ فيه لفظُ التعليل: كقوله لكذا، أو لعلة كذا، أو لأجل كذا، أو لكيلا يكون كذا، وما يجري مجراه من صيغ التعليل ... إلا إذا دل دليل على أنه ما قصد التعليل فيكون مجازا، كما يُقال لِمَ فعلت؟ فيقولُ لأني أردت أن أفعل، فهذا لا يصح أن يكون علة، فهو استعمال اللفظ في غير محله ) ). [المستصفى، ج 2، ص 288] . وقال الآمدي: (( المسلك الثاني: النص الصريح: وهو أن يذكر دليل من الكتاب أو السنة على التعليل بالوصف بلفظ موضوع له في اللغة من غير احتياج فيه إلى نظر واستدلال ) ). قال الأبياري: (( ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التأويل بل المنطوق بالتعليل فيه على حسب دلالة اللفظ الظاهر على المعنى ) ). [انظر: الإحكام، ج 3، ص 364. و الزركشي، البحر المحيط، ج 5، ص 187] . وقال العُكبري في تعريف (( النص ) ): (( النَّص: ما رُفع بيانه إلى أقصى غاية. وقيل: ما كان صريحا في حكم من الأحكام، وإن كان اللفظ محتملا لغيره ) ). [العكبري، رسالة في أصول الفقه، ص 105] .