فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 60

أردتُّ بقولي: دراهم، درهمين، لم يُقبل ... وكون الإقرار مبنيا على اليقين لا يقدح في هذا؛ لأن هذا يقين؛ فإنه موضوع اللفظ لغة، وليس المراد باليقين القطع )) [1] . وكذا قال الزركشي في مسألة أخرى: (( إن الشافعي، رضي الله عنه، لم يرد باليقين القطع ) ) [2] .

خامسا: نظرية القطع النسبي:

فيما عدا النصوص المتشابهة التي استأثر الله تعالى بعلم معناها كالحروف المقطعة في فواتح السور فإنه لا يخلو نص من النصوص، مهما غمض أو وضح، من أن يتضمن دلالة أو عدة دلالات قطعية على بعض المعاني. أي أن قدْرا من القطع كامن في كل نص يُفرض خلا المتشابه.

برهان ذلك، أن النص، وكما سبق أن بينا، لا يخلو من أن يكون إما غامضا وإما واضحا.

والواضح لا يخلو أن يكون إما ظاهرا وإما قاطعا (=نصا) .

فأما النص القاطع فهو من خلال الفرْض يتضمن دلالة قطعية فلا حاجة للكلام فيه.

وأما النص الظاهر: كالعام الذي يحتمل التخصيص، والمطلق الذي يحتمل التقييد، والحقيقة التي تحتمل المجاز فلا بد له من أن يشتمل على دلالة قطعية. وذلك؛

لأن اللفظ العام إنما هو ظني في استغراق جميع الأفراد بينما هو قطعي في الدلالة على أقل الجمع، فمن قال: جاء طلاب المدرسة، فكلامه هذا ظني في استغراق جميع الطلاب لكنه قطعي في قدوم واحد أو اثنين من الطلاب على الأقل وإلا كان كذبا. ومن هنا قال الأصوليون بأن العام يدل على أقل الجمع قطعا، وقالوا أيضا بأن صورة السبب داخلة في العموم الوارد عليها قطعا ولا يصح إخراجها بالتخصيص [3] .

وأما اللفظ المطلق فهو ظني في التجرد عن القيود لكنه قطعي في طلب الماهية أو الإخبار عنها، ثم هو قطعي في الدلالة على الوحدة لا الكثرة، فمن قال: أعطني كتابا، فكلامه هذا قاطع في تحديد ماهية المطلوب وهي الكتاب ثم هو قطعي في كون هذا الكتاب واحدا على الأقل، وإنما المظنون فيه هو أنه هل يشتمل على أوصاف زائدة عن الماهية (تقييدات) أم لا، ككون الكتاب في النحو أو الفقه، أو ككونه لهذا المؤلف أم ذاك، وغير ذلك من القيود.

وأما الحقيقة التي تحتمل المجاز، كاللمس الوارد في قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء} (النساء:43) ، والذي يدل ظاهرا على اللمس الحسي لكنه يحتمل الجماع، فالقدر القطعي فيه هو أن اللمس يدور بين هذين المعنيين ـ اللمس الحسي والجماع ـ فحسب ولا يخرج عنهما. وعليه

(1) نقله عنه: السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 54.

(2) الزركشي، المنثور، ج 3، ص 137.

(3) انظر: الجويني، البرهان، ج 1، ص 256. والسبكي، الإبهاج، ج 2، ص 185.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت