فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 60

فنحن نعلم قطعا بأن النظر إلى النساء لا يدخل في معنى لمس النساء فليس هو ناقضا للوضوء قطعا. فالقطعية هاهنا إذن إنما هي في حصر الظن بمجال معين، ثم نفي كل ما يخرج عن هذا المجال.

هذا فيما يتعلق بالنصوص الواضحة، وأما النصوص الغامضة ـ ما عدا المتشابهة ـ فكذلك لا بد لها من مضامين قطعية.

فاللفظ المجمل (كليا) كالصلاة، لا أثر لإجماله لأن الفرض هو أنه ما من مجمل إلا وبُين، فإذا لم يبين فهو ليس بمجمل بل متشابه. وبعد البيان يتحول المجمل بحسب وضوح البيان إما إلى نص أو ظاهر أو ربما مشترك، فأما النص والظاهر ففد بينَّا كيفية اشتمالهما على الدلالة القطعية، وأما المشترك، و مثله المؤول، فالقدر القطعي فيهما هو حصر الظن في مجال معين لا يتجاوزه، فقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء} (البقرة:228) ، قطعي في كون مدة التربص لا تخرج عن ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار، فليست هي ثلاث سنوات مثلا أو غير ذلك قطعا.

وبهذا نخلص إلى أن كل نص، مهما كان، فلا بد له من مضمون قطعي واحد على الأقل وربما أكثر، لكنَّ هذا المضمون هو بالنسبة إلى معاني معينة دل عليها النص لا بالنسبة إلى كل المعاني التي اشتمل عليها، وممن نبه إلى قريب من هذا الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، حين قال: (( يجوز أن يكون اللفظ الواحدُ: نصا، ظاهرا، مجملا، لكن بالإضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد ) ) [1] . ومثاله قوله، تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (الأنعام:141) فهو ظاهر في إيجاب الإيتاء، مجمل في قدْر المُؤتى، نصٌّ في وقت إيتائه. ولأجل هذه النسبية في الدلالة على القطع وغيره أسمينا هذه النظرية بنظرية القطع النسبي.

وهذه النظرية هي حقيقة ثابتة ومعلم واضح في المنهج الأصولي في التعامل مع النصوص وإن لم يذكروها صراحة أو يعرفوا بها.

وهذا يجعلنا نقرر أن المنهج الأصولي في فقه النص يتمشَّى مع نظريات التفسير التي تؤمن بدور المتكلم في النص، وأنه لا بد في كل نص من وجود ثوابت دلالية يقوم عليها، وهذه الثوابت هي التي تمنحه هويته وكينونته، وبالتالي لا يصح تجازوها أو التفريط بها، وإلا دخلنا فيما يُسمى عندهم بتعطيل النص. قال إمام الحرمين: (( مما غلَّظ الشافعي فيه القول على المؤولين كل ما يؤدي التأويل فيه

(1) الغزالي، المستصفى، ص 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت