المقصد الثاني
الاحتمالات المانعة من قطعية دلالة النص
وسنبحث هذا المقصد في الفروع الخمسة الآتية:
الفرع الأول: توطئة في الألفاظ الواضحة والألفاظ الغامضة.
الفرع الثاني: الاحتمالات الواردة على الألفاظ.
الفرع الثالث: الدعوات التي انبنت على التسليم بورود الاحتمالات المذكورة على الألفاظ.
الفرع الرابع: تقييم ورود الاحتمالات المذكورة على الألفاظ الشرعية.
الفرع الخامس: العوامل المؤثرة في قطعية النص وظنيته من وجهة نظر الباحث.
الفرع الأول: توطئة في الألفاظ الواضحة والألفاظ الغامضة:
ما من ريب في أن الألفاظ التي تتضمنها النصوصُ الشرعية تتفاوت في درجة وضوح دلالتها على المعنى الذي يقصده الشارع منها. وبحسب درجة وضوح أو غموض هذه الألفاظ تتحدد قوة دلالتها ومدى ورود الاحتمال عليها. بعبارة أخرى يتحدد من هذه الألفاظ ما هو (( قطعي الدلالة ) )، وما هو (( ظني الدلالة ) )، وما لم يرقَ حتى إلى إفادة الظن.
وفي هذا المجال يمكننا أن نقسِّم هذه الألفاظ إلى قسمين رئيسين:
أحدهما: ألفاظ غامضة، وهي الألفاظ التي لا تستقل بنفسها في الإفصاح عن مراد المتكلم منها.
والقسم الآخر: ألفاظ واضحة، وهي التي تستقل بنفسها في الإفصاح عن مراد المتكلم منها.
فأما الألفاظ الغامضة فتنقسم، بدورها، إلى قسمين:
القسم الأول: ألفاظ جعل لها الشارع معاني خاصة غير تلك التي تعارف عليها العرب قبل ورود الشرع. وهذا القسم يضم نوعين من الألفاظ:
أحدهما: لفظ لم يبين الشارع مراده منه، وإنما استأثر الله تعالى بعلم معناه، وأورده اختبارا وامتحانا. وهذا القسم هو (( المتشابه ) )في اصطلاح كثير من الأصوليين [1] ، وهو ما سنسير عليه في هذا البحث. ومثاله: الحروف المقطعة في فواتح السور.
(1) انظر: ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 265. هذا ولا يعترف البعض بوجود مثل هذا النوع من الألفاظ في النصوص الشرعية، ناصين على أنه لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بما لا يُفهم معناه. انظر: ابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج 2، ص 290. وآل تيمية، المسودة، ص 147. والآمدي، الإحكام، ج 1، ص 220.