المقصد الثاني
الحلول الأصولية لإشكالية القطع في مجال الدلالة
قلنا سابقا إن دعوتين تتعلقان بقطعية الدلالة راجتا في الأوساط الأصولية:
إحداهما: دعوى (( انتفاء النصوص ) ).
والأخرى: دعوى (( عزة النصوص ) ).
ومن خلال ردِّ الأصوليين ـ صراحة أو ضمنا ـ على هاتين الدعوتين، ومن خلال كلامهم في دلالات الألفاظ، يمكننا استخلاص جملة من الأفكار والحلول لمشكلة الظنية التي تتسم بها دلالة النصوص. ونصوغ هذه الحلول في نظريات خمس:
أولا: نظرية عدم جواز تأخير بيان الظواهر عن وقت الخطاب.
ثانيا: نظرية القرائن.
ثالثا: نظرية الاستقراء.
رابعا: نظرية اللفظ الصريح.
خامسا: نظرية القطع النسبي.
أولا: نظرية عدم جواز تأخير بيان الظواهر:
ذهب الحنفية إلى عدم جواز تأخير بيان الظواهر عن وقت ورود الخطاب، وذهب الجمهور إلى الجواز. وهي مسألة معروفة مشهورة في كتب الأصول، لكنها غالبا ما تُعرض، سواءٌ في القديم أو الحديث، معزولةَ عن الثمار الأصولية المترتبة عليها. ومن هذه الثمار القول بقطعية الألفاظ الظاهرة ـ إذا لم تتصل بها القرينة المبيِّنة ـ عند الحنفية، والقول بظنيتها عند الجمهور.
فالحنفية يقولون بأن كل لفظ ظاهر في معناه (يدل على معناه دلالة راجحة مع احتمال دلالته على معنى آخر احتمالا مرجوحا، كظهور اللفظ العام في دلالته على الاستغراق مع أنه محتمل للتخصيص) فإنه لا يجوز للمتكلم أن يريد به معناه المرجوح من غير أن يقرن به فورا قرينة تبين أن المراد به هو المعنى المرجوح (= المؤول) دون المعنى الراجح (= الظاهر) . ويتفق معهم الجمهور في لزوم وجود القرينة المبينة؛ لكنهم لا يشترطون فيها أن تقترن بالنص المبيَّن فورا، وإنما من الممكن أن تتراخى عنه لأي فترة زمنية قصرت أو طالت.
إذن ينحصر الخلاف بين الفريقين في (( التراخي ) )، و (( الاقتران ) )،أو قل: (( الاتصال ) )، و (( الانفصال ) )، فبينما يقول الحنفية: لا بد من (( الاقتران ) )و (( الاتصال ) )ولا يجوز (( التراخي ) )و (( الانفصال ) )، يقول الجمهور: يجوز ذلك كلُّه.
وحجة الحنفية الجوهرية في هذه المسألة هي أن الشارع إذا أورد اللفظ من غير أن يبين فورا أن معناه الظاهر غير مراد فسيظن السامع بأنه مراد، ويعمل على ذلك، فيكون هذا إلغازا وإلباسا