فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 60

عليه وتجهيلا له، وهذا ما يُنزَّه مقام الشارع عنه. أما الجمهور فقالوا: هذا الاستدلال إنما يصح عند القائلين بتقبيح العقل وتحسينه ونحن لا نقول بهما، ثم إنه إذا بيَّن الشارع مراده من اللفظ، ولو بعد حين، فسيرتفع اللبس، والسامع معذور في فهمه السابق قبل وقوفه على القرينة المبينة [1] .

وبغض النظر عن الرأي الراجح في هذه المسألة ـ وهي لا تزال تحتاج إلى مزيد من البحث العميق ـ فإنه قد انبثق عنها رأيان عند الحنفية هما من أكثر الآراء التي ميزت الفكر الأصولي الحنفي:

أحدهما: القول بقطعية العام.

والآخر: القول بأن الزيادة على النص نسخ.

فيا ترى كيف بنى الحنفية على هذه المسألة هذين الرأيين؟

قال الحنفية: إن العام من حيث الأصل ظاهر في الاستغراق، مؤول في الخصوص، لكن لما أورد الشارع اللفظ العام من غير أن يقرن به قرينة تدل على إرادة الخصوص، كان المراد به هو الاستغراق قطعا، لأنه لا يجوز للقرينة أن تتراخى عن النص فلم يبق إلا أن الشارع أراد المعنى الظاهر الذي هو الاستغراق، ولا احتمال بعدُ للتخصيص. وهذا كما هو الحال في لفظ العدد، كالعشرة مثلا، فإنه من حيث الأصل يحتمل الدلالة على غير العشرة إذا اقترن به استثناء، كقولك: أعطيته عشرة دراهم إلا واحدا، لكن إذا نطق به المتكلم ولم يستثن في الحال فإن احتمال الاستثناء يتلاشى؛ لأنه لا يجوز الاستثناء متراخيا، وتبقى العشرة دالة على معناها الظاهر قطعا [2] .

فإن قيل: لو افترضنا أن نصا عاما ورد من غير قرينة متصلة تدل على الخصوص، كقوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: {وَأُحلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} (النساء:24) ثم ورد نص آخر يدل على الخصوص، كقوله، صلى الله عليه وسلم: (( لا تنكح المرأة على عمتها و لا على خالتها ) ) [3] فما العمل؟

فيجيب الحنفية بأنه هاهنا تظهر مسألة الزيادة على النص نسخ، فيكون الدليل المتأخر، وهو الحديث، ناسخا، نسخا جزئيا، للدليل المتقدم، وهو عموم الآية، بأن رفع حكم إباحة الزواج بالمرأة وعمتها أو خالتها.

(1) انظر: الجصاص، الفصول، ج 2، ص 45. والدبوسي، تقويم الأدلة، ص 102، والسرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 29. والشوكاني، إرشاد الفحول، ص 294. والغزالي، المستصفى، ص 192. وابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 295.

(2) قال الجصاص: (( ليس جواز دخول الاستثناء على لفظ العموم، وجواز تخصيصه، بمانع من أن يكون نصا إذا لم تقم دلالة التخصيص، كما أن العدد الذي يتناوله اسم العشرة منصوصٌ عليه بذكر العشرة مع جواز دخول الاستثناء عليها ) ). الجصاص، الفصول، ج 1، ص 60.

(3) البخاري، الصحيح، ج 5، ص 1965. ومسلم، الصحيح، ج 2، ص 1029.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت