فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 60

فإن قيل: وما الفرق بين هذا الذي أسميتموه بـ (( النسخ الجزئي ) )، والتخصيص، مع أن محصلتهما واحدة، وهي الحكم على البعض بحكم يخالف حكم العموم؟

فالجواب: أن الفرق من جهتين: من جهة الحقيقة ومن جهة النتيجة:

فأما من جهة الحقيقة، فالنسخ إضراب عن المراد بالنص المنسوخ واستئناف مراد جديد بالنص الناسخ، أما التخصيص فليس هو إضرابا عن الإرادة السابقة واستئنافا لإرادة جديدة، وإنما هو مجرد بيان وتوضيح للمراد الأول. وعليه ففي حالة النسخ الجزئي يكون الشارع قد أراد الاستغراق أولا ثم رفع هذه الإرادة عن البعض ثانيا، أما في حالة التخصيص، فالشارع لم يرد الاستغراق ابتداء وإنما أراد الخصوص من أول الأمر، والدليل المخصِّص هو دليل كاشف عن هذه الإرادة.

وأما من جهة النتيجة، فالنسخ يُشترط فيه التكافؤ في قوة الثبوت بين الناسخ والمنسوخ؛ فمجرد خبر الواحد، الذي هو ظني الثبوت، لا يُعترف به كناسخ لعموم آيات القرآن التي هي قطعية الثبوت، وإنما حقُّه التأويل أو الرد، وهذا ما فعله الحنفية بالفعل في عدد ليس قليلا من الأحاديث، إلا أن يبلغ الحديث مبلغ (( الشهرة ) )، كما هو في حديث النهي عن الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها آنف الذكر [1] فيقوى على النسخ. أما التخصيص فيجوز من غير اشتراط التكافؤ في قوة الثبوت بين الدليل المخصِّص واللفظ العام.

والحاصل هو أن الحنفية يقولون، وبالبناء على نظريتهم في عدم جواز تأخر بيان الظواهر عن وقت الخطاب، بقطعية جميع الظواهر التي لم يتصل بها ما يدل على التأويل. ومن هنا كان للقطعي عندهم ـ كما يقول صدر الشريعة ـ معنيان: (( أحدهما: ما يقطع الاحتمال أصلا كالمحكم والمتواتر , والثاني ما يقطع الاحتمال الناشئ عن الدليل كالظاهر , والنص , والخبر المشهور ) ) [2] . فالمحكم ـ وهو تقريبا يقابل النص عند الجمهور ـ لا يحتمل التأويل أصلا بدليل أو بغير دليل كـ {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه} (الفتح:29) . أما الظاهر و النص ـ وهما يقابلان الظاهر عند الجمهور ـ فهما يحتملان التأويل بدليل، لكن لَمَّا لم يقترنا بدليل يدعم الاحتمال، وكان لا يجوز في الدليل المؤوِّل أن يكون متراخيا كانا قطعيين أيضا، كما هو الحال في اللفظ العام إذا لم يقترن به دليل التخصيص، والمطلق إذا لم يقترن به دليل التقييد، والحقيقة إذا لم يقترن بها دليل المجاز.

وبهذا كانت الألفاظُ قطعيةُ الدلالة كثيرةَ عند الحنفية لأنها تشمل جميع الظواهر التي تجردت عن الدليل المقترن الداعم لما في بنيتها اللغوية من احتمال.

(1) انظر: ابن أمير، التقرير والتحبير، ج 2، ص 292.

(2) صدر الشريعة، التوضيح، ج 1، ص 248.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت