فإذا قامت الدلالة عندنا على أن المراد به القود جاز أن يقول: قد نصت هذه الآية على إيجاب القود لولي المقتول ظلما )) [1] .
وقد التفت الحنفية إلى هذا النوع من القرائن التي أسميناها بـ (( قرائن التأكيد ) )فخصصوا للحديث عنها نوعا من أنواع البيان سموه بـ (( بيان التقرير ) ). قال السرخسي:
(( أما بيان التقرير: فهو في الحقيقة الذي يحتمل المجاز والعام المحتمل للخصوص، فيكون البيان قاطعا للاحتمال مقررا للحكم على ما اقتضاه الظاهر، وذلك نحو قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون} (الحجر:30) فصيغة الجمع تعم الملائكة على احتمال أن يكون المراد بعضهم، وقوله تعالى: (( كلهم أجمعون ) )بيانٌ قاطعٌ لهذا الاحتمال فهو بيان التقرير. وكذلك قوله تعالى: {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} (الأنعام:38) يحتمل المجاز لأن [ساعي] البريد [لسرعته] يُسمَّى طائرا، فإذا قال (( يطير بجناحيه ) )بيَّن أنه أراد الحقيقة )) [2] .
وممن نبّه إلى دور القرائن في إيجاد القطع الفخر الرازي الذي علق على الرأي القائل بأن الدلائل النقلية لا تفيد اليقين بقوله: (( واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفاد ة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت تلك القرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا بالتواتر ) ) [3] .
وبانتباه إمام الحرمين وغيره من الأصوليين إلى أثر القرائن في (( تكثير النصوص ) )يكونون قد وقفوا بشكل أو بآخر على مقتل الرأي القائل بـ (( عزة النصوص ) )، حيث تبين أن نظرة أصحابه إلى النصوص كانت نظرة تجزيئية، كمفردات أو مركبات بسيطة لا علاقة لبعضها بالبعض الآخر، مغفلين الأثر الكبير الذي تلعبه القرائن المحيطة بالنص والأسيقة الملتفة حوله في إكسابه مضامينه القطعية.
لكن أليس ثمة نقد يتوجه إلى نظرية القرائن ودورها في تكثير النصوص؟
بلى، وهذا ما وجدناه لدى الإمام الشاطبي عند عرضه نظريتَه الجديدة في إيجاد القطع، ألا وهي الاستقراء، والتي سنبحثها فيما يأتي:
في المقدمات الثلاث الأولى من كتابه الموافقات مهَّد الشاطبي لنظريته في الاستقراء ثم عَرَضَها:
(1) الجصاص، الفصول في الأصول، ص 61.
(2) السرخسي، أصول السرخسي، ج 2، ص 28.
(3) الرازي، المحصول، ج 1، ص 575.