(( اعتقد كثير من الخائضين في الأصول (( عزَّة النصوص ) )، حتى قالوا: إن النص في الكتاب قوله عز وجل {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص:1) ، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه} (الفتح:29) ، وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى هو مرتبط حكم شرعي. وقضوا بندور النصوص في السنة، حتى عَدُّوا أمثلةً معدودة محدودة. ... وهذا قول من لا يحيط بالغرض من ذلك. والمقصودُ من النصوص: الاستقلالُ بإفادة المعاني على قطع، مع انحسام جهات التأويلات، وانقطاعِ مسالك الاحتمالات. وهذا، وإن كان بعيدا حصوله بوضع الصيغ، ردا إلى اللغة، فما أكثر هذا الغرضَ مع القرائن الحالية والمقالية , وإذا نحن خُضنا في باب التأويلات، وإبانة بطلان معظم مسالك المؤولين، استبان للطالب الفَطِن أن جُلّ ما يحسبه الناسُ ظواهرَ معرضةً للتأويلات فهي نصوص. وقد تكون القرينة إجماعا أو اقتضاء عقل أو ما في معناهما )) [1] .
إذن يعوِّل الجويني على القرائن في اعتبار (( جل ما يحسبه الناس ظواهر ) )إنما هي نصوص قطعية، وقد ذكر من أنواع القرائن المؤدية إلى القطع أربعة أنواع: القرائن الحالية والقرائن المقالية والإجماع والعقل.
هذا وقد أفضنا في كتابنا (( القرائن المحتفة بالنص وأثرها في دلالته ) )في بيان هذه القرائن وأمثلتها مطلقين عليها مسمّى (( قرائن التأكيد ) )، وقد ذكرنا طرفا من أمثلتها في مناسبة سابقة من هذا البحث [2] .
والواقع أن أثر هذه القرائن لا يقتصر على تأكيد الظواهر، بل حتى المجملات والمشتركات، تستطيع هذه القرائن أن تنقلها من دائرة الغموض إلى دائرة الوضوح، والعبارة: (( نزلتُ إلى العين فشربتُ منها ) )، التي وقفنا عندها سابقا [3] ، خير مثال على ذلك، إذ تحوَّل لفظ (( العين ) )بفضل القرينتين المقاليتين: (( نزلت ) )، و (( شربت ) )، من لفظ غامض في أصل اللغة إلى لفظ واضح كل الوضوح في سياق العبارة. ومن هنا لم يمتنع بعض الأصوليين من إطلاق مصطلح (( النص ) )على النصوص الغامضة نفسِها إذا لحقها بيان رفع الغموض عنها. قال الجصاص:
كان أبو الحسن الكرخي يقولُ (( في اللفظ المحتمِل لضروبٍ من التأويل: إنَّ من قامت له الدلالة على بعض المعاني أنه هو المراد جاز له أن يقول: إن هذا نص عندي. وكذلك إذا رُويَ ذلك التأويل عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فجائزٌ أن يُقال: إنّ ذلك نص الكتاب، لبيان النبي، صلى الله عليه وسلم، مرادَ الله تعالى فيه. وذلك نحو قوله تعالى: {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} (الإسراء:33) يَحتمِل (( السلطان ) )المعاني المختلفة،
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 278.
(2) انظر: ص 26.
(3) انظر: ص 26.