فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 60

الفرع الرابع: تقييم ورود الاحتمالات المذكورة على الألفاظ الشرعية:

لا متسع للحديث عن الاحتمالات المذكورة بأفرادها شرحا وتمثيلا وتقييما [1] ، وإنما سنورد كلاما مجملا في (( تقييم ) ) [2] هذه الاحتمالات من حيث تأثيرها في قطعية دلالة النص، لا سيما النص القرآني، فنقول:

أولا: بعض هذه الاحتمالات لا يرد على جميع النصوص بل على بعضها، وبِناءً على ذلك لا يصح إطلاق القول بأن الدلائل النقلية ككل لا تفيد اليقين. ومن هذه الاحتمالات الخاصة:

1.احتمال الكذب أو الخطأ في نقل معاني (( المواد اللغوية ) )للنَّص؛ لأن هذا لا يرد إلا على ما كان طريق معرفته خبر الواحد، وهو الأقل من معاني الألفاظ القرآنية حيث إن جمهورها نُقل بالتواتر أو تُوصِّل إليه بالاستقراء المفيد للقطع أو قريبا منه [3] . قال الرازي بعد أن قسَّم (( المواد اللفظية ) )المنقولة إلى قسمين:

(( أحدهما: المتداول المشهور. والعلم الضروري حاصل بأنها في الأزمنة الماضية كانت موضوعة لهذه المعاني فإننا نجد أنفسنا جازمة بأن لفظ (( السماء ) (( الأرض ) )كانتا مستعملتين في زمان الرسول، صلى الله عليه وسلم، في هذين المسميين. وثانيهما: الألفاظ الغريبة والطريق إلى معرفتها الآحاد )) .

قال: (( إذا عرفت هذا فنقول: أكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول؛ فلا جَرَمَ قامت الحجة به. وأما القسم الثاني فقليل جدا، وما كان كذلك فإنا لا نتمسك به في المسائل القطعية ونتمسك به في الظنيات ) ) [4] .

(1) لابن القيم كلام مستفيض في هذا الشأن في كتابه: الصواعق المرسلة، ج 2، ص 633.

(2) لا وجود لهذا اللفظ (( تقييم ) )في المعجم العربي، ولذا يعده البعض خطأ شائعا وصوابه (( تقويم ) )بالواو. وهذه في الحقيقة منهجية لغوية لا نرتضيها لأنها تقف دون حركة (( التطور الطبيعي ) )للغة لعوامل كثيرة ليس هذا مكان التفصيل فيها. وفيما يتعلق باللفظ (( تقييم ) )فقد كان حدوثه نتيجة لعامل طبيعي يحكم تطور اللغة وتولُّد الألفاظ، وهو أن كل جماعة لغوية تسعى قدْر الإمكان إلى الابتعاد عن الاشتراك اللغوي لأنه يخل بالتفاهم، فاللفظ (( تقويم ) )يُطلق في لغة العرب إزاء معنيين على السواء: أحدهما: التقويم بمعنى التعديل، ومنه: قومت الغصن، بمعنى تعديلك إياه كي يكون مستقيما. والمعنى الآخر: التقويم بمعنى بيان القيمة المادية أو المعنوية التي ينطوي عليها الشيء، ومنه: قومت السلعة، أي ذكرت ما تساويه من قيمة. فلما كان هذا اللفظ مشتركا بين هذين المعنيين كان طبيعيا ومستحسنا أن يُشتق لفظ جديد يدل على أحد هذين المعنيين دون الآخر، وبالفعل فقد استُعمل، وبتلقائية، لفظ (( التقييم ) )، المشتق من (( القيمة ) )ليدل على المعنى الثاني للتقويم، وهو بيان ما ينطوي عليه الشيء من قيمة مادية أو معنوية.

(3) قال الغزالي: (( ما يُعرف باستقراء اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يُعرف بالنقل الصريح ) )الغزالي، المستصفى، ص 206.

(4) الرازي، المحصول، ج 1، ص 294،296.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت