فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 60

جاء في الكتب القديمة في التوراة: (( جاء الله من سيناء. وأشرق من ساعير. واستعلى من جبال قازان ) )... ومراد هذا اللفظ مجيء هدى الله تعالى وكتبه وآياته الكرام وبراهينه. وفي القرآن الكريم قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} (الفجر:22) والمراد المجاز على ما تقرر في موضعه ... فبطل أن لنا لفظا لا يقبل المجاز، والنص بتفسير عدم القبول [للاحتمال] لا حقيقة له.

ورابعها: أن الاستثناء يدخل في صيغ العدد. والاستثناء عبارة عن إخراج ما لم يرد باللفظ ... وذلك عين المجاز )) [1] .

وسيأتي تقييمنا لهذه الحجج التي ذكرها القرافي لنفي النص في الفرع القادم إن شاء الله تعالى.

الدعوى الثانية: التي نتجت عن التسليم بورود الاحتمالات آنفة الذكر، وهي أقل تطرفا من الدعوى السابقة: هي (( عزة النصوص ) )، أي أن النصوص، بمعنى الألفاظ القطعيَّة التي لا تحتمل، من الندرة بمكان، ولا تنطبق إلا على ألفاظ محدودة محصورة في الشرع واللغة. قال أبو علي الطبري: (( يعز وجود (( النص ) )إلا أن يكون كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِي ... } (لأنفال:64) ، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص:1 ) ) ) [2] . وقال إمام الحرمين: (( اعتقد كثيرٌ من الخائضين في الأصول (( عزَّة النصوص ) )، حتى قالوا: إنَّ النص في الكتاب قوله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص:1) ، وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} (الفتح:29) ، وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى هو مرتبط حكم شرعي. وقضوْا بندور النصوص في السنة، حتى عَدُّوا أمثلةً معدودة محدودة. منها: قوله، صلى الله عليه وسلم، لأبي بردة بن نيار الأسلمي في الأضحية، لما ضحى، ولم يكن على النّعت المشروع: (( تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك ) ) [3] . وقوله، عليه السلام: (( اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ) ) [4] ) [5] .

(1) القرافي، نفائس الأصول، ج 2، ص 298 - 300.

(2) نقله عنه الزركشي، البحر المحيط، ج 2، ص 206.

(3) البخاري، الصحيح، ج 5، ص 2109، كتاب الأضاحي، باب سنة الأضحية. ومسلم، الصحيح، ج 3، ص 1552، كتاب الأضاحي، باب وقتها.

(4) البخاري، الصحيح، ج 2، ص 813، كتب الوكالة، باب الوكالة في الحدود. ومسلم، الصحيح، ج 1، ص 419، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا.

(5) الجويني، البرهان، ج 1، ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت