فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 60

دليل عقلي يدعمه، لأن غاية النص الظن، وهو غير مقبول في مسائل الاعتقاد. وينسِب الجرجاني هذه الدعوى إلى المعتزلة وجمهور الأشاعرة [1] ، ولا نظن أن هذه النسبة دقيقة خصوصا فيما يتعلق بالأشاعرة. ومما قد يشكِّك فيها أن الأصفهاني (ت 653 ه‍) ، وهو متقدم على الجرجاني (ت 816 ه‍) ، جعل المعتزلة وأكثر الأشاعرة من أنصار المذهب المعاكس، وهو القول بأن الدلائل النقلية قد تفيد اليقين [2] . وما أراه هو أن القول بـ (( انتفاء النصوص ) )قد يتمشى مع مذهب المعتزلة لكنه يبعد تمشيه مع مذهب الأشاعرة؛ لأن المعتزلة هم الذين يجعلون النقل تابعا للعقل بينما يجعل الأشاعرة العقل تابعا للنقل غالبا، ويستحيل على من جعل العقل خادما للنقل أن يجعل من هذا الأخير دليلا في أحسن أحواله ظنيا لا يرقى إلى إفادة القطع، ثم إن رؤوس الأشاعرة كالجويني والغزالي تبنوا القول بـ (( كثرة النصوص ) )لا (( انتفاءها ) )كما سيجيء معنا لاحقا. أما من تبنى دعوى (( انتفاء النصوص ) )من الأشاعرة فلا نظنه انتبه إلى غوْر هذه الدعوى ولوازمها لا سيما أن هذه المسألة عُرضت في كثير من الأحيان عرضا أصوليا لغويا بحتا من غير بيان ما تستلزمه وما ينبني عليها.

ومن هؤلاء الذين تبنوا (( انتفاء النصوص ) )القرافي، وذلك حين اعترض على تعريف الرازي لـ (( النص ) )بأنه: (( ما لا يحتمل ) )فأبطل ذلك بأربعة أمور:

(( أحدها: أن أقوى ألفاظ النصوص لفظ العدد كالعشرة مثلا، والعقل يجوز بالضرورة أن تكون العرب وضعتها لمعنى آخر من الجماد، والنبات والحيوان، وأن ذلك المسمى الآخر هو مراد المتكلم. وهذا الاحتمال لا يبطل تجويزه أبدا ... . ويرد مع احتمال الاشتراك: التقديم والتأخير والنقل والمعارض العقلي والإضمار، وهذه الاحتمالات لا يبطلها لفظ العدد.

وثانيها: أن مذهب أهل الحق جواز النسخ قبل الفعل، فإذا أمرنا بعدد جاز أن يكون الله تعالى علم نسخه قبل وقوعه، فلا يكون مراده بالنص الأول الإيقاع، بل إظهار الطواعية من المأمور، كما اتفق في قصة إبراهيم وإسحاق، عليهما السلام، فإن لفظ إسحاق نص، ومع ذلك، لم يكن المراد بالنص الأول الذبح بل إظهار طواعيتهما وحسن إقبالهما على أوامر الله تعالى.

وثالثها: أن صيغ الأعداد تقبل المجاز بدليل قوله تعالى: {ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} (الحاقة:32) ، وكذلك قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً} (التوبة:80) ... قالوا: المراد الكثرة لا خصوص السبعين ... وإذا كان هذا في لفظ العدد فكيف غيره. ولا يتصور لفظ يتعذر فيه أمثال هذه الاحتمالات إلا لفظ الجلالة، وهو قولنا: الله، فإن هذا اللفظ علم بالضرورة لا يقبل كثيرا من هذه الأسئلة مع أنه

(1) الجرجاني، شرح المواقف، ج 1، ص 205.

(2) الأصفهاني، الكاشف عن المحصول، ج 2، ص 494.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت