ففي المقدمة الأولى برهن على اشتراط القطع في الأدلة الأصولية قائلا: (( أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية؛ والدليل على ذلك أنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي ... ) ) [1] ثم أفاض في الاستدلال لذلك.
وفي المقدمة الثانية حصر الأدلة القطعية المستعملة في علم الأصول في ثلاثة أنواع: الأدلة العقلية، والأدلة العادية، والأدلة السمعية، ثم حصر الأدلة السمعية المفيدة للقطع في ثلاثة أنواع:
1.الأخبار المتواترة في اللفظ بشرط أن تكون قطعية الدلالة.
2.الأخبار المتواترة في المعنى.
3.الاستقراء في موارد الشريعة [2] .
وفي المقدمة الثالثة بيَّن أن الأدلة العقلية لا مجال لها مستقلةً في إثبات الأصول لأن (( العقل ليس بشارع ) ) [3] ، وإنما المعوَّل عليه بالدرجة الأولى هو الأدلة الشرعية. ووجود القطع في آحاد هذه الأدلة (( معدوم أو في غاية الندور ) )؛ والسبب: (( أنها إن كانت من أخبار الآحاد فعدم إفادتها القطع ظاهر. وإن كانت متواترة فإفادتها القطع موقوفة على مقدمات جميعها أو غالبها ظني والموقوف على الظني لا بد أن يكون ظنيا، فإنها تتوقف على نقل اللغات وآراء النحو وعدم الاشتراك وعدم المجاز والنقل الشرعي أو العادي والإضمار والتخصيص للعموم والتقييد للمطلق وعدم الناسخ والتقديم والتأخير والمعارض العقلي، وإفادة القطع مع اعتبار هذه الأمور متعذِّر ) ) [4] . وبهذا يكون الشاطبي قد اعتمد على دعوى (( انتفاء النصوص ) )في نفي القطعية عن آحاد الأدلة الشرعية.
ثم تطرق إلى رأي القائلين بنظرية القرائن قائلا: (( وقد اعتصم من قال بوجودها [يعني الأدلة القطعية] بأنها ظنية في أنفسها لكن إذا اقترنت بها قرائن مشاهدة أو منقولة فقد تفيد اليقين ) ) [5] . ثم هوَّن من هذا الرأي بقوله معقِّبا: (( وهذا كله نادر أو متعذر ) ) [6] . أي أن الشاطبي يُقِرّ بدور القرائن في (( إيجاد القطع ) )، لكنه يشكِّك في دورها في (( تكثير القطع ) )؛ وذلك (( لأن القرائن المفيدة لليقين غير لازمة لكل دليل وإلا لزم أن تكون أدلة الشرع كلها قطعية، وليس كذلك باتفاق. وإذا كانت لا تلزم ثم وجدنا أكثر الأدلة الشرعية ظنية الدلالة أو المتن والدلالة معا ... دلَّ ذلك على أن اجتماع القرائن المفيدة للقطع واليقين نادر على قول المقرين بذلك وغير موجود على قول الآخرين ) ) [7] . وقال في موطن آخر: (( وليس كل حال ينقل ولا
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 29.
(2) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 34.
(3) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 35.
(4) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 35.
(5) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 36.
(6) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 36.
(7) الشاطبي، الموافقات، ج 2، ص 50.