المنوال أن نقول بأن الحديث الصحيح إذا ورد بمعناه بضع أحاديث صحيحة فهو يثير ظنا قويا بالثبوت يكاد يقترب من القطع، حتى لو لم يصل التأكيد بالشواهد إلى درجة ما يسمى في علم المصطلح بـ (( التواتر المعنوي ) ).
والطريق الرابع: عدم التسليم بأن خبر الواحد ليس حجة في الأصول، إذ لا دليل صريحا على عدم جواز الاعتماد على الظن الغالب في قضايا الأصول، وإنما يستدل الجمهور على ذلك بالآيات الطالبة لاتباع العلم والناهية عن اتباع الظن من قبيل قوله تعالى {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم} (الإسراء:36) ، وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (النجم:28) . وهي نفس الآيات التي استدل بها منكرو الاحتجاج بخبر الواحد مطلقا، فما ردَّ به الجمهور على هؤلاء يُردُّ به على الجمهور.
فإن قالوا: نحن نخصص هذه الآيات بالنهي عن الظن الذي يكون في مجال الأصول، أما ما كان في مجال الفروع فيخرج عن عموم الآيات بالأدلة الكثيرة التي جاءت تؤكد قبول خبر الواحد في الفروع.
فالجواب عليهم: هو أن الأدلة التي دلت على قبول خبر الواحد لم تفرق بين كونه قد جاء في مجال الأصول أو في مجال الفروع، وقبول الصحابة لأخبار الآحاد، وهو عمدة أدلة القائلين بحجية خبر الواحد، كان مطلقا، ولم يُؤْثر أن صحابيا رد حديثا لأنه في مجال الأصول وقبل آخر لأنه في مجال الفروع. أما الآيات المذكورة فنحن نفسِّرها على وجه آخر، وهو أن الظن كما أوردت معاجم اللغة كان يُطلق على الشك وعلى الظن الغالب وحتى على اليقين [1] ، فهو مشترك لغوي، أو على الأقل (( ظاهر ) )في الظن الغالب (( مؤول ) )في الشك، ونحن نحمل المراد في الآية على الظن بمعنى الشك، وهو ما يشهد به سياق الآيات التي جاءت في النهي عن اتباعه حيث إنها نزلت في العرب الذين لم يبنوا اعتقاداتهم على علم أو ظن غالب، وإنما على الوهم والشك والخرافة والتقليد الأعمى؛ لذلك قال سبحانه: {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ} (النجم:23) ، وقال تعالى: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الأحقاف:4) مما يدل على أن العرب لم تكن تملك أدنى دليل على معتقداتها الباطلة.
لكن في حال القول بقبول ما يفيد الظن في مسائل الأصول، ينبغي أن نفرق بين نوعين من مسائل الأصول: المسائل القطعية ثبوتا ودلالة وهذه لا نقبل فيها الاجتهاد والاختلاف، والأصول الظنية ثبوتا أو دلالة وهذه نقبل فيها الاجتهاد والاختلاف كما نقبله في مسائل الفروع، وهذا مهم.
(1) انظر: ابن منظور، لسان العرب، المادة ظنن، ج 13، ص 272.