أحدهما: أن أصل حفظ السنة متنازع فيه ولا تقوى الأدلة المذكورة على القطع بهذا الأصل، فهو أصل أكثر ما فيه أنه مظنون. وما انبنى على المظنون فهو كذلك مظنون.
والآخر: أن التحقق من الإجماع لا سبيل إليه على وجه القطع بل على وجه الظن، وما دام الأمر كذلك فما بُني على هذا الأصل مظنون مثله.
خلاصة القول:
يتضح لنا من خلال ما سبق أن رأي الجمهور القائل بظنية خبر الواحد مع إيجاب الشارع للأخذ به قطعا هو الرأي الأصوب فيما يتعلق بالتعامل مع مشكلة الظنية التي ينطوي عليها خبر الواحد.
أما كون هذا الرأي لا يؤهل خبر الواحد لأن يكون أساسا في إثبات الأصول الاعتقادية أو الفقهية فيمكن معالجته من وجهة نظرنا بأربع طرق:
الأولى: عن طريق التفريق بين قسمين من أخبار الآحاد: الأول: الأخبار التي ينفرد بنقلها الواحد والاثنان في أي طبقة من طبقات سندها. والقسم الثاني: الأخبار التي ينقلها ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات رواتها، وهي الأخبار التي يسميها المحدِّثون بـ (( المشهورة ) )، فمع التسليم بأن مثل هذه الأخبار لا تفيد القطع الذي يفيده الخبر المتواتر فإنها تفيد ما أسميناه سابقا بـ (( الظن القوي ) )الذي يدنو من القطع، أو (( علم الطمأنينة ) )على حد تعبير أصوليي الحنفية [1] ، وعليه فيجب أن لا يُساوى في التعامل بين هذه الأخبار وغيرها من أخبار الآحاد، بل على العكس يجب أن يُساوى بينها وبين الأخبار المتواترة لأنها إليها أقرب، وبالتالي يمكن إثبات الأصول بها سواء أكانت عقدية أو فقهية.
والطريق الثانية: القول بأن كل خبر آحاد اتفق العلماء كلهم متقدمهم ومتأخرهم على استجماعه لشرائط الصحة فهو كذلك يفيد (( ظنا قويا ) )يدنو من القطع، لا من باب التسليم بقطعية أصل حفظ السنة ولا أن الإجماع يمكن التحقق منه قطعا، وإنما من باب آخر أدنى إلى العقل وأيسر على الإثبات، وهو أن الحديث الذي تناوله العلماء بشتى مذاهبهم على مر العصور مسلِّمين بصحته، غير مطلعين على قادح يطعن فيه، مع شدة تحريهم وتنقيرهم، يثير (( ظنا قويا ) )بأنه ثابت فعلا، لأنه لو لم يكن كذلك لانتبه إلى ضعفه واحد على الأقل من هؤلاء الكثيرين الذين نظروا فيه.
والطريق الثالثة: استغلال ما أسماه علماء مصطلح الحديث بـ (( التصحيح بالشواهد ) )، حيث يصححون الحديث الضعيف إذا ورد حديث آخر بمعناه. وبالإمكان تطوير هذا الأسلوب من (( التصحيح بالشواهد ) )إلى ما يمكن تسميته بـ (( التأكيد بالشواهد ) )، حيث يمكننا جريا على نفس
(1) انظر: الشاشي، أصول الشاشي، ص 272. وابن أمير حاج، التقرير والتحبير، ج 1، ص 54.