فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 60

السنة فلا دليل على أنه من الوحي المحفوظ. وكون الكلام نُقل برواية خبر الواحد العدل عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لا يكفي لإثبات كونه من السنة قطعا؛ إذ كم من أخبار للثقات تكلم فيها علماء الحديث بالتضعيف والتوهين، بل ما يسمونه بالشاذ والمعلل من الأحاديث إنما يختص برواية الثقات والروايات التي ظاهرها الصحة. وعليه فما قرره ابن حزم من كون السنة محفوظة لا يستلزم بالضرورة أن كل خبر واحد عدل هو من السنة قطعا، وحتى لو استجمع خبر الواحد جميع شرائط الصحة التي ذكرها علماء الحديث فهذا لا يجعلنا نحكم بكونه من السنة قطعا، لأن انطواء الخبر على هذه الشرائط نفسه مظنون فيه، فكم من حديث صححه قوم فجاء من بعدهم آخرون فاطلعوا على عيب خفي فيه فضعفوه. ثم إن شرائط الصحة نفسها اجتهادية ومظنونة ومختلف في بعضها بين أهل الحديث، فمثلا الحديث الذي لا يثبت اللقاء بين رواته الثقات لا يصح على شرط الإمام البخاري وغيره، بينما هو صحيح على رأي الإمام مسلم وغيره بمجرد المعاصرة. وابن حزم نفسه ضعف أحاديث صححها غيره، وصحح أحاديث ضعفها غيره. وإذن فما دام الحكم على كون حديث ما مستجمعا لشرائط الصحة ظنيا فهذا يعني أن كونه من السنة ظني أيضا؛ لأن ما ينبني على الظني فهو ظني، وما دام كونه من السنة ظنيا، فلا نستطيع القطع بأنه محفوظ، لأن الحفظ خاص بما ثبت كونه من السنة قطعا لا بما سوى ذلك.

وفي رأيي إن أصل حفظ السنة ـ إذا سُلم به ـ لا يقتضي أكثر من أنه لا تُجمع الأمة على مر العصور على صحة حديث وقبوله وهو مكذوب أو خطأ، لأن هذا ينافي الحفظ، أما الأحاديث غير المجمع على صحتها فأنَّى لنا القول بقطعيتها؟! وهذا الإجماع الذي نشترطه هنا ليس هو الإجماع الأصولي المعروف بل هو إجماع خاص لم يجئ اشتراطه من الأدلة التي يذكرها الأصوليون على حجية الإجماع بل من أصل حفظ السنة نفسه، لأنا لو افترضنا أن حديثا ضعيفا انطلى على جُل علماء الأمة فحكموا بصحته إلا أن بعض العلماء تمكن من الاطلاع على عيب فيه فحكم بضعفه، فمثل هذا الفرض لا ينافي أصل الحفظ، وربما توجد أحاديث من هذا القبيل، لكن أن تحكم الأمة جمعاء على الحديث بكونه صحيحا وهو في الواقع ضعيف، فهذا ينافي أصل الحفظ؛ إذ كيف تكون السنة محفوظة وواحدٌ من الأمة على الأقل لم يعرف بكون هذا الحديث ليس من السنة؟!

ومثل هذه النظرية القائمة على المزاوجة بين أصل حفظ السنة والإجماع لا تُعد حَلًا من وجهة نظري لمشكلة الظنية في أخبار الآحاد لسببين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت