فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 60

إذن يعترف ابن حزم بظنية خبر الواحد بشكل عام، لكنه يستثني منه الأخبار التي قام دليل على كونها قطعية، ومنها ـ على رأيه ـ الأخبار التي رواها الثقات عن النبي، صلى الله عليه وسلم. فيا ترى ما هو هذا الدليل الذي جعل نصوص السنة المنقولة برواية الثقات تخرج عن أصل الظنية إلى القطعية؟ يتابع ابن حزم قائلا:

(( قال الله عز وجل عن نبيه، صلى الله عليه وسلم: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم:4) ، وقال تعالى، آمرا لنبيه، عليه الصلاة والسلام، أن يقول: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الأحقاف:9) ، وقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر:9) ... فصح أن كلام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كله في الدين وحي من عند الله عز وجل لا شك في ذلك ولا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله تعالى فهو ذكر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون ألا يضيع منه وألا يحرف منه شيء أبدا تحريفا لا يأتي البيان ببطلانه؛ إذ لو جاز غير ذلك لكان كلام الله تعالى كذبا وضمانه خائسا، وهذا لا يخطر ببال ذي مسكة عقل فوجب أن الذي أتانا به محمد، صلى الله عليه وسلم، محفوظ بتولي الله تعالى حفظه مبلغ كما هو إلى كل من طلبه ممن يأتي أبدا إلى انقضاء الدنيا )) [1] .

وحاصل هذا الاستدلال يقوم على المقدمات الآتية:

1.السنة من الوحي.

2.الوحي محفوظ.

3.كل محفوظ ينتفي عنه احتمالا الكذب والوهم.

4.ما ينتفي عنه احتمالا الكذب والوهم فهو قطعي.

والنتيجة هي: أن السنة قطعية. وهي منقولة برواية الآحاد فرواية الآحاد للسنة إذن قطعية.

وعلى الرغم مما قد يبدو من متانة هذا الاستدلال إلا أنه ينطوي على جملة من نقاط الضعف تقعده عن النهوض بتأسيس نظرية في قطعية خبر الواحد.

وواحدة من هذه النقاط نذكرها كفيلة بتقويض استدلال ابن حزم كله.

فنقول: على فرض التسليم بأن السنة محفوظة كالقرآن [2] ، فإن هذا التقرير لا يلزم منه إلا القول بأن كل ما ثبت ثبوتا قطعيا كونه من السنة فهو محفوظ، أما ما لم يثبت قطعا كونه من

(1) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 114.

(2) قد ينازع البعض في أصل حفظ السنة، ولا يقيسها على القرآن، لوفرة الدلائل على حفظ القرآن من القرآن نفسه، لكن ليس ثمة ما يدل قطعا على حفظ السنة. وللشاطبي رأي خاص في هذا المقام قال، رحمه الله تعالى: (( الحفظ المضمون في قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} إنما المراد به حفظ أصوله الكلية المنصوصة، وهو المراد بقوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} أيضا لا أن المراد المسائل الجزئية إذ لو كان كذلك لم يتخلف عن الحفظ جزئي من جزئيات الشريعة وليس كذلك، لأنا نقطع بالجواز، ويؤيده الوقوع لتفاوت الظنون وتطرق الاحتمالات في النصوص الجزئية ووقوع الخطأ فيها قطعا فقد وجد الخطأ في أخبار الآحاد وفي معاني الآيات فدل على أن المراد بالذكر المحفوظ ما كان منه كليا ) ). الموافقات، ج 1، ص 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت