فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 60

بالإمام أحمد إلى القول: (( ما يدَّعي فيه الرجل الإجماع فهو كذب، ومن ادعى الإجماع فهو كاذب؛ لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. هذه دعوى بشر المريسي والأصم، ولكنه يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغني ذلك ) ) [1] .

ثالثا: نظرية الحفظ الإلهي:

خالف فريق من العلماء رأي الجمهور القائلين بأن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن فقالوا: بل يفيد العلم. ومن هؤلاء من كان يعني بـ (( العلم ) ): (( العلم الظاهر ) )، وهو نفس الظن الذي قصده الجمهور، ولذا فلا خلاف حقيقيا بينهم وبين الجمهور. ومنهم من كان يعني بـ (( العلم ) ): القطع. وهؤلاء، الأخيرين، لم يأتوا على ما ادعوه بدليل معتبر، ومن هنا فقد أغلظ الجمهور الرد عليهم، ناسبين إياهم إلى المكابرة وإنكار الحقائق المعلومة بالضرورة حتى قال إمام الحرمين:

(( ذهبت الحشوية من الحنابلة وكَتَبَة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم وهذا خزيٌ لا يخفى مدركه على ذي لب. فنقول لهؤلاء: أتجوِّزون أن يزل العدل الذي وصفتموه ويخطئ؟ فإن قالوا: لا، كان ذلك بهتا وهتكا وخرقا لحجاب الهيبة ولا حاجة إلى مزيد البيان فيه. والقول القريب فيه أن قد زل من الرواة والأثبات جمع لا يُعدُّون كثرة ولو لم يكن الغلط متصورا لما رجع راو عن روايته والأمر بخلاف ما تخيلوه. فإذا تبين إمكان الخطأ، فالقطع بالصدق مع ذلك محال، ثم هذا في العدل في علم الله، تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز أن يُضمر خلاف ما يظهر ) ) [2] .

وبقي هذا الرأي على هذه الحال من التهوين والاستهجان لدى الأصوليين، فيما صوره ابن دقيق العيد بقوله: (( إن كثيرا من الفقهاء والأصوليين يعتقدون أن مذهبهم [أي القائلين بقطعية خبر الواحد] خارج عن ضروب العقل ) ) [3] ، إلى أن نصره ابن حزم بحجة لم يذكرها أحد من قبله. قال رحمه الله تعالى:

(( أما احتجاج من احتج بأن صفة كل خبر واحد هي أنه يجوز عليه الكذب والوهم فهو كما قالوا ) )، أي أنه يعترف بأن خبر الواحد بشكل عام ظني يحتمل الكذب والوهم كما قال الجمهور، لكنه استثنى بعد ذلك قائلا (( إلا أن يأتي برهان حسي ضروري أو برهان منقول نقلا يوجب العلم من نص ضروري على أن الله تعالى قد بَرَّأ بعض الأخبار من ذلك فيخرج بدليله عن أن يجوز فيه الكذب والوهم ) ) [4] .

(1) ابن بدران، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، ص 115.

(2) الجويني، البرهان، ج 1، ص 392.

(3) الزركشي، البحر المحيط، ج 6، ص 137 - 138.

(4) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت