بالمحافظة على رعاية المروءات، حاسرا رأسه، شاقا جيبه، حافيا، وهو يصيح بالثبور والويل، ويَذْكُرُ أنه أُصيب بوالده أو ولده، وشُهدت الجنازة، ورُئي الغسّال مشمِّرا يدخل ويخرج، فهذه القرائن وأمثالها، إذا اقترنت بإِخباره ـ مع القطع بأنه لم يطرأ عليه خبلٌ وجِنّة ـ تضمنت العلمَ بصدقه )) [1] .
فلما جاء الأمر إلى نصوص السنة بالذات، اعتمد البعض على القول بتأثير القرائن في درجة ثبوت الخبر فزعم أن كل حديث اقترن بتلقي الأئمة له بالقبول يفيد القطع. ولعل من أوائل الذين ذكروا هذه القرينة الفقيه الأصولي الشافعي ابن فورك (ت 406 ه (، رحمه الله تعالى، ففرق بين نوعين من التلقي بالقبول: التلقي بالقبول عَمَلا، وهو لا يفيد القطع، والتلقي بالقبول قولا وهو يفيد القطع [2] .
واعتمادا على هذه القرينة ذهب غير واحد إلى أن أحاديث البخاري ومسلم على وجه خاص تفيد القطع لأنها مما تلقاه العلماء بالقبول [3] .
ويبدو أن ما يقصده ابن فورك وغيره بـ (( التلقي بالقبول قولا ) )هو اتفاق أهل الاختصاص بالحديث على صحة الخبر، وتصريحهم بذلك، ومن هنا فقد قال القاضي الباقلاني رادا على ابن فورك: (( لا يُحكم بصدقه، وإن تلقوه بالقبول قولا ونُطقا؛ فإن تصحيح الأئمة للخبر مُجرى على حكم الظاهر، فإذا استجمع خبر من ظاهره عدالة الراوي وثبوت الثقة به وغيرها مما يرعاه المحدثون فإنهم يطلقون فيه الصحة ولا وجه إذًا للقطع بالصدق والحالة هذه ) ) [4] .
فكأن القاضي يقول بأن التصحيح بحد ذاته حكم ظني لأنه يعتمد على التحقق من شروط الصحة التي هي مجرد علامات ظاهرية فحسب، والاتفاق على الصحة لا يضيف شيئا لأنه اتفاق على تحقُّق شروط الصحة الظاهرة لا على أن الخبر مقطوع بثبوته، وإذا كان الأمر كذلك فمن أين تُكتسب القطعية؟!
وبالإضافة إلى ما ذكره القاضي فإن مبنى قرينة (( التلقي بالقبول قولا ) )على الإجماع الصريح، والإجماع بشكل عام محل جدل في البحث الأصولي، ومن نشد الإنصاف والتحقيق فلا مناص له من الاعتراف بأن الإجماع يتطرق إليه الظن من جهتين: أحدها: ثبوت حجيته؛ إذ ثمة جدل كبير حول الأدلة التي يوردها الأصوليون كمستند لحجية الإجماع هل هي دالة بالفعل أم لا؟ وإذا كانت دالة فهل دلالتها قطعية أم ظنية؟ والجهة الأخرى: ـ على فرض التسليم بقطعية حجية الإجماع ـ التحقق من حصول الإجماع؛ فهل يمكننا التحقق من أن العلماء كلهم أجمعوا على المسألة الفلانية أم لا؟ وهل هذا التحقق، إذا سلمنا بإمكانه، قطعي أم ظني؟ ولعل هذا ما حدا
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 374، مع تقديم وتأخير يسيرين.
(2) انظر: الجويني، البرهان، ج 1، ص 379.
(3) انظر: السيوطي، تدريب الراوي، ج 1،ص 131.
(4) نقله: الجويني، البرهان، ج 1، ص 379.