أحدهما: يستند إلى أمر متواتر لا يتمارى فيه إلا جاحد ولا يدرؤه إلا معاند، وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أن الرسول، عليه السلام، كان يرسل الرسل ويحملهم تبليغ الأحكام وتفاصيل الحلال والحرام، وربما كان يصحبهم الكتب، وكان نقلهم أوامر رسول الله، عليه السلام، على سبيل الآحاد ولم تكن العصمة لازمة لهم فكان خبرهم في مظنة الظنون وجرى هذا مقطوعا به متواترا لا اندفاع له إلا بدفع التواتر، ولا يدفع المتواتر إلا مباهت. فهذا أحد المسلكين.
والمسلك الثاني: مستند إلى إجماع الصحابة، وإجماعهم على العمل بأخبار الآحاد منقول متواترا ... فهذا هو المعتمد في إثبات (( العلم ) )بخبر الواحد )) [1] .
وبهذا تمكن الأصوليون من الانفصال عن الحجة التي أوردها منكرو الاحتجاج بخبر الواحد، وهي أنه يفيد الظن، وأنَّا قد نُهينا عن اتباع الظن وأمرنا باتباع العلم، قال ابن السمعاني: (( وأما تعلقهم [أي منكري الاحتجاج بخبر الواحد] بقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم} (الإسراء:36) وبقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (البقرة:169) وما يشبه هذا من الآيات، قلنا: ليس في العمل بخبر الواحد شيء مما ذكروه؛ لأن وجوب العمل بخبر الواحد ليس بإيجاب له على ظن وتخمين، وهو إيجاب له على علم ويقين؛ لأنا بالدلائل القطعية علمنا وجوب العمل بخبر الواحد فهو اقتفاء واتباع لما كنا به عالمين )) [2] .
وعلى هذا النَّهج في الجواب جرى جمهور الأصوليين [3] . وعليه فقد أقروا بأن خبر الواحد لا يفيد العلم والقطع وإنما الظن، لكننا مأمورون باتباع الظن الذي جاء به قطعا.
وهذه النظرية، على الرغم من واقعيتها، إلا أنها قصرت الاحتجاج بخبر الواحد على مجال الفروع العملية. أما (( الأصول ) )العقدية أو الفقهية المطلوب فيها القطع، فلا يُستطاع إثباتها بخبر الواحد. وهذا بالفعل ما سلَّم به الجمهور.
ثانيا: نظرية القرائن.
النظَّام هو أول من نبَّه إلى دور القرائن في الارتقاء بخبر الواحد من إفادة الظن إلى إفادة القطع، وارتضى رأيَه هذا الكثيرون [4] .
لكنَّ كلام النظام وغيره عن القرائن كان كلاما نظريا عاما، غير منزَّل على النصوص الشرعية خاصَّة، ومن هنا فقد درجوا على التمثيل للقرائن بما (( إذا وجدنا رجلا مرموقا، عظيم الشأن، معروفا
(1) الجويني، البرهان، ج 1، ص 388،389.
(2) ابن السمعاني، قواطع الأدلة، ج 1، ص 342.
(3) انظر: أبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 98. والجويني، البرهان، ج 1، ص 391. والغزالي، المستصفى، ص 116، والآمدي، الإحكام، ج 2، 52.
(4) انظر: الرازي، المحصول، ج 4، ص 400. وأبو الحسين البصري، المعتمد، ج 2، ص 92.