الأصوليين يطلقه على ما دل على معناه بالمطابقة أو التضمن فقط دون ما دل بالالتزام، وذلك بغض النظر عن قوة دلالته [1] .
أما (( اللفظ الصريح ) )في الاستعمال الفقهي فنجده يضم نوعين من الألفاظ: اللفظ القاطع واللفظ قوي الظهور. أي أنه لا يشمل كل ظاهر بل الألفاظ الظاهرة التي لا يتطرق إليها الاحتمال إلا نادرا حتى أنها تكاد تقرب من القطع. ويظهر هذا بجلاء من خلال الألفاظ التي يمثلون بها للفظ الصريح، كـ (( أنت طالق ) )، و (( بعت ) )، و (( اشتريت ) )، و (( نكحت ) )، و (( أعتقت ) )، وغير ذلك. قال إمام الحرمين: (( لا يُشترط [في اللفظ الصريح] أن يكون نصا في وضع اللسان لا يتطرق إليه تأويل؛ فإن الصريح ما يتكرر على الشيوع: إما في عرف الشرع، أو في عرف اللسان. وإذا حصل ذلك لزم إجراء اللفظ على ظاهره ولا يقبل العدول عن موجب الظاهر في الظاهر، وأمر السر محال على الأحكام الباطنة، ويوضحه أنه لو قال لامرأته: أنت طالق حكمنا بالطلاق، ولا يقبل من الزوج في الظاهر قوله: أردت من وثاق، وإن أمكن ذلك من طريق الاحتمال فإن الصريح حقه أن يجرى على الظاهر في ظواهر الأحكام ) ) [2] .
وبهذا نجد أن الفقهاء تحرروا من عقدة الاعتماد على القطعي فقط، وبالتالي لم يكترثوا بالاحتمال البعيد إذا اكتنف باللفظ، فعاملوا الألفاظ القطعية والقريبة من القطع معاملة واحدة، حفظا لمصالح الناس، وضبطا للقضاء.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن متقدمي الفقهاء ـ كالشافعي مثلا ـ عندما كانوا يستعملون مصطلح (( النص ) )ما كانوا يقصرونه على الألفاظ القاطعة غير المحتملة بل يطلقونه حتى على الألفاظ (( الظاهرة ) )أو (( قوية الظهور ) )كما قال ابن دقيق العيد [3] ، وهذا يشبه استعمال مصطلح (( اللفظ الصريح ) )عند متأخري الفقهاء، وينطلق من نفس المنطلق. بل حتى مصطلح (( اليقين ) )الذي هو الأصل القديم لمصطلح (( القطع ) )لم يكن يعني نفي مطلق الاحتمال في لغة الإمام الشافعي مثلا، بل نفي الاحتمال القريب فحسب، ومن هنا قال السبكي في تفسير قول الشافعي: (( إني ألزم الناس أبدا اليقين وأطرح عنهم الشك ولا أستعمل عليهم الأغلب ) ) [4] ،: (( لو قال [المقرُّ بأن عليه دراهم] :
(1) كالشاطبي إذ قال: (( الأوامر والنواهي ضربان: صريح، وغير صريح ) ). وفسّر ذلك بما حاصله: أن الصريح ما دل بصيغته على الطلب، وغير الصريح ما دل بلازمه. وهو ضروب: منها، مثلا، (( ما يتوقف عليه المطلوب كالمفروض في مسألة (( ما لا يتم الواجب إلا به ) )... الخ )) . [انظر: الموافقات، ج 3، ص 144 ـ 156] . وكما في قول الشوكاني: (( المنطوق ينقسم إلى قسمين: الأول: ما لا يحتمل التأويل، وهو النص. الثاني: ما يحتمله، وهو الظاهر. والأول، أيضا، ينقسم إلى قسمين: صريح إن دل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن، وغير صريح إن دل عليه بالالتزام. وغير الصريح ينقسم إلى: دلالة اقتضاء، وإيماء، وإشارة ) ). [إرشاد الفحول، ص 302] .
(2) نقله عن كتابه نهاية المطلب في دراية المذهب: الزركشي، المنثور في القواعد الفقهية، ج 3، ص 136.
(3) انظر: السبكي، الإبهاج، ج 1، ص 215.
(4) الشافعي، الأم، ج 6، ص 223.