وهذا الاصطلاح، أي إطلاق القطعي على (( غير المحتمل ) )، هو (( الاستعمال المشهور ) )للقطع، على حدِّ تعبير الشاطبي [1] ، و ثمة استعمال آخر للقطع اختص به الحنفية حيث يصفون دلالة بعض الألفاظ بكونها قطعية: كصيغ العموم المجردة عن القرينة المخصِّصة، والمطلقات المجردة عن القرينة المقيِّدة، والحقائق المجردة عن قرينة المجاز، مع إقرارهم بأنها ألفاظ محتملة في الأصل أي من حيث الوضع اللغوي، لكن لمَّا لم يقترن بها دليل يصرفها إلى معناها المؤوَّل، وكان عندهم لا يجوز لـ (( بيان التغيير ) )أن يتأخر عن وقت الخطاب [2] ، وبالتالي لا يجوز للقرينة المخصِّصة أو المقيِّدة أو الصارفة للمجاز أن تتراخى عن اللفظ، صار انعدام وجود دليل التأويل المقارن دليلا على أن المتكلم أراد من تلك الألفاظ ظواهرها على وجه القطع. أي أن الاحتمال الكامن في تلك الألفاظ من حيث الوضع اللغوي تلاشى وانتهى بسبب عدم قرن المتكلم بهذه الألفاظ ما يدعم هذا الاحتمال [3] .
وبهذا نجد أن الحنفية لا يختلفون مع الجمهور في أن (( القطع في الدلالة ) )ينافي احتمال التأويل، ولكنهم يختلفون معهم في السبب الذي أدى إلى نفي احتمال التأويل، فبينما يقصر الجمهور سبب نفي الاحتمال على الوضع اللغوي، أي أن الألفاظ القاطعة عندهم هي الألفاظ التي وُضعت لمعنى واحد فقط ولا تحتمل غيره مطلقا كألفاظ الأعداد وأسماء الأشخاص، يقول الحنفية بأنَّ ثمَّة سببٌ آخر غير الوضع اللغوي ينفي الاحتمال، وهو حصول التراخي الزمني من غير أن يقرن المتكلم كلامه المحتمِل من حيث الوضع اللغوي بدليل يدعم هذا الاحتمال. وسنأتي إلى مزيد كلام في هذه النقطة في موضع لاحق من هذا البحث إن شاء الله تعالى [4] .
هذا، ويستخدم الأصوليون مصطلح (( القطع ) )كثيرا، ويريدون به الجزم الناجم عن العلم النافي للاحتمال لا مجرد العلم، ومن هنا تجدهم يكثرون من القول: (( نقطع بكذا ) )،و (( ينبغي القطع بكذا ) )، و (( فلان قطع بكذا ) )، و (( هذا مِمَّا يُقطع بصحته ) )، و (( هذا مقطوع به ) )، وغير ذلك من العبارات التي تدل على الجزم بالمسألة محل البحث جزما ناجما عن علم ويقين.
(1) الشاطبي، الموافقات، ج 1، ص 35.
(2) (( بيان التغيير ) )ومثله (( بيان التبديل ) )هو البيان الذي يصرف الظاهر عن ظهوره كالعام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد والحقيقة إلى المجاز، وهو يخالف (( بيان التفسير ) )الذي يبين المجمل والمشترك، فهذا الأخير يصح مقارنا ومتراخيا أما (( بيان التغيير ) )فلا يصح إلا مقارنا فإن تراخى كان نسخا ورفعا لا بيانا. انظر: الدبوسي، تقويم الأدلة، ص 221 وما بعدها.
(3) انظر: الدبوسي، تقويم الأدلة، ص 102. والبخاري، كشف الأسرار، ج 1، ص 79. وصدر الشريعة، التوضيح، ج 1، ص 248.
(4) انظر: ص 33.