بأن هذا النص يُراد به ما هو ظاهر منه لا غير؛ لأنه لو كان ثمة قرينة لوجدها واحد من هؤلاء العشرات بل المئات من الذين خاضوا في مدلول هذا النص.
والسبب الثالث: أن المجتهد قد يطلع على قرائن متصلة أو منفصلة تؤكِّد ظاهر النص، بحيث تجعله قاطعا بمدلوله جازما بنفي وجود قرينة تعارض هذه القرائن المؤكِّدة.
وخلاصة القول هي إن هذه الاحتمالات التي قيل بورودها على كل لفظ كثيرةُ الصُّور ضعيفة الأثر، ويتوهم من يسمع بأن النص لا يدل على معناه حتى تنتفي عنه عشرة احتمالات أن هذه الاحتمالات تؤثر في مدلول النص تأثيرا بالغا. والصواب كما قلنا هو أن تأثير هذه الاحتمالات محدود وضعيف جدا في كثير من الأحيان، وقد يكون في بعض أنواع من النصوص دون أخرى. ولا يعني انتقادُنا هذه الاحتمالات أنا نقول بأن نصوص القرآن كلها قطعية الدلالة، وغير محتملة، كما يستشف من كلام ابن القيم عند نقده لهذه الاحتمالات [1] ، بل نقول: إن القرآن في عدد لا يستهان به من آياته محتمل لأكثر من معنى، ويشهد لهذا خلاف الصحابة ومن بعدهم في تفسير عدد جم من الآيات، ومن هنا قال أبو الدرداء، رضي الله عنه: (( لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها كثيرة ) ) [2] ، وقال علي لابن عباس، رضي الله عنهم: (( اذهب إليهم [يعني الخوارج] ولا تخاصمهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة، فقال له: أنا أعلم بكتاب الله منهم، فقال: صدقت ولكن القرآن حمَّال ذو وجوه ) ) [3] .
أما الحجج الأربعة التي أوردها القرافي كدليل على (( انتفاء النصوص ) )فيمكن مناقشته فيها على النحو الآتي:
أولا: قوله بأن ألفاظ العدد تحتمل ـ عقلا ـ الاشتراك والتقديم والتأخير والمعارض العقلي والإضمار. فهذه الاحتمالات التي ذكرها هي طرف من الاحتمالات العشرة التي ترد على كل لفظ وقد أجبنا عنها.
ثانيا: قوله بأن القول بجواز النسخ قبل الفعل هو مذهب أهل الحق، وهو يقتضي أنه قد يكون المراد للشارع ليس هو المفهوم من اللفظ، بل هو إظهار الطواعية. فالجواب عليه هو أن جواز النسخ قبل الفعل مختلف فيه بين الأصوليين، فإذا أجازه الأشاعرة فإن المعتزلة والحنفية والحنابلة وغيرهم لا يجيزونه [4] . ثم على فرض الجواز فإن احتمال النسخ لا يرد على جميع النصوص بل على الأوامر والنواهي فقط فلا يجوز نفي النصوص القواطع ككل بالاستناد إلى
(1) ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 633 وما بعدها.
(2) الصنعاني، المصنَّف، ج 11، ص 255. وابن أبي شيبة، المصنف، ج 6، ص 142.
(3) عزاه غير واحد إلى الطبقات الكبرى لابن سعد ولم نقف عليه بعد التفتيش فالله أعلم به.
(4) انظر: الزركشي، البحر المحيط، ج 5، 227.