فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 60

أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (الإسراء:73) ، و {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (فصلت:42) ، والزيادة والنقص هما من الباطل، و {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحج:52) ، وغير ذلك من الآيات التي يفيد مجموعها القطع بحفظ القرآن.

والسبب الثاني: أن كون النبي، صلى الله عليه وسلم، خاتم النبيين، وكون القرآن معجزةً يُخاطب بها الناس إلى يوم القيامة ـ وهذان أمران معلومان من الدين بالضرورة ـ يقتضيان هذا الحفظ، فإنه لو لم يكن محفوظا لما قامت به الحجة على الخلق إلى يوم القيامة، وهذا باطل فكذلك ما يؤدي إليه، فثبت أن القرآن محفوظ.

والفرض الثالث: أن تكون القرينة الدالة على المراد من النص مذكورة أو منقولة، ولكن لما لم يكن في إمكان المجتهد ـ بالغا ما بلغ ـ أن يطَّلع على جميع ما رُوي عن الشارع، وحتى لو أنه اطلع فلربما لم يتنبه إلى هذه القرينة، لا سيما أن بعض القرائن قد يكون خفيا أو منفصلا متراخيا عن النص ــ أقول: لما كان الأمر كذلك لم يكن لمجتهد ما أن يجزم بأن ما فهمه من النص، مهما كانت درجة وضوحه، هو مدلول الشارع قطعا، حتى لو أنفق عمره في البحث عن القرينة ولم يجدها، لأن عدم الوقوف على الشيء ليس دليلا قاطعا على انتفاء وجوده كما هو معلوم.

وهذا الفرض هو أقوى الفروض، لكنه يضعف لثلاثة أسباب:

أحدها: أنا إذا قلنا بعدم جواز تأخر البيان عن وقت الخطاب، كما هو رأي المعتزلة والحنفية، كان لا بد في القرينة الدالة على المراد من النص أن تكون متصلة به. وإذا كانت متصلة بالنص كان احتمال عدم انتباه المجتهد إليها بعد التَّحري والتأمُّل من الضعف بمكان.

والسبب الثاني: أنا وعلى فرض القول بجواز تأخر البيان عن وقت الخطاب، كما هو رأي الجمهور، لا نسلم بأن (( عدم الوقوف على الشيء ليس دليلا قاطعا على انتفاء وجوده ) )في كل الأحوال، لأن ظن انتفاء الوجود يزداد بزيادة أمرين:

أحدهما: التحري والبحث.

والثاني: عدد المتحرين والباحثين.

فكلما كثر التحري والبحث، أو كثر المتحرون والباحثون ولم يجدوا شيئا ازداد الظن بانتفاء الوجود إلى أن يصل الأمر إلى ما يقرب من القطع بعدم الوجود.

وفي واقع الأمر فإن أي مجتهد في النص لا يدلي بدلوه في هذا النص إلا بعد أن يطَّلع على جهود السابقين من فقهاء ومفسرين ولغويين، وما أداروا حول النص من كلام، فعندما يجد أن أحدا منهم لم يطلع على قرينة منفصلة أثَّرت في مدلول النص محلِّ النظر، وعندما يضم هو خبرته واطلاعه على منقولات الشريعة فلا يجد قرينة مؤثرة كذلك، يتولد لديه ظن قوي يدنو من القطع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت