فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 60

أحدها: قوة القالَب الصرفي-النحوي الذي صاغ المتكلم فيه كلماته.

والعامل الثاني: قوة المادة المعجمية للكلمات التي حشا بها هذا القالب.

والعامل الثالث: الترابط المعنوي بين هذه الكلمات.

فمثلا القالب الصرفي-التركيبي المكون من: (اسم + فعل مضارع + فاعل + مفعول به) ، كالموجود في قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْن} (البقرة:233) والموجود في قولنا: (( الأولاد يلبسون اللباس الأبيض ) )، قالبٌ تتردد دلالته بين الإخبار وبين الأمر، فيُحتمل أن يكون المقصود في المثال الأول الإخبار عن مدة الرضاعة أو إلزام الوالدات بهذه المدة، وفي المثال الثاني قد يكون المقصود الإخبار عما يلبسه الأولاد، أو قد يكون بيانا لنوع اللباس الذي يجب على الأولاد أن يلبسوه، كما في قول المعلم لتلاميذه قبل حفل التخرج: (( الأولاد يلبسون اللباس الأبيض. والبنات يلبسن اللباس الأحمر ) )، أي: يجب عليهم أن يفعلوا ذلك. وعليه، كان هذا القالب، بمجرده، غير قاطع في الدلالة على المعنى المقصود للمتكلم، لأنه يولِّد ترددا لدى المتلقي في فهم المراد. أما القالب المكون من (ما + الصيغة الصرفية أفْعَلَ + اسم منصوب + نغمة التعجب) ، كقول القائل: (( ما أجْمَلَ السماءَ! ) )، فهو قاطع في إفادة معنى التعجب؛ لأنه لا يحتمل غير هذا المعنى بخلاف القالب الأول.

أما فيما يتعلق بالمواد المعجمية للكلمات التي يُحشى بها القالب الصرفي-النحوي فهي، أيضا، تتباين في قوة الدلالة على المعنى: فمنها: المتشابه والمجمل والمؤول والمشترك، وهي كلمات ذات مواد معجمية غامضة كما ذكرنا في بداية هذا المقصد، ومنها: الظاهر والنص، وهي كلمات ذات مواد معجمية واضحة، لكن الظاهر غير قاطع بخلاف النص. ولا شك بأن النص المشتمِل على بعض الكلمات ذات المواد المعجمية غير القطعية ـ حتى لو كان قطعي القالب ـ فإنه سيكون بشكل عام من قبيل غير القاطع إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار العامل الثالث من العوامل التي تتوقف عليها قوة دلالة النص على مراد المتكلم من النص، وهو الترابط المعنوي بين الكلمات، فإن هذا العامل قد يجعل الكلمة غير القطعية في نفسها قطعية بالنظر إليها مقترنة بباقي الكلمات في النص. مثالُ ذلك: العبارة: (( نزلتُ إلى العين فشربتُ منها ) )، تشتمل على (( العين ) )، وهي كلمة غير قاطعة إذا أخذناها مجردة ـ إذِ العين، كما هو معلوم، لفظٌ مشترك يُراد به العديد من المعاني ـ لكن لما اقترنت بالكلمتين: (( نزلتُ ) )، و (( شربتُ ) )، اتضح أن المراد بها هو عين الماء قطعا، فصار الخطاب ككل من قبيل القطعي.

أما السياق الذي ورد فيه النص فهو بشقيه المقالي والحالي ذو تأثير كبير في مدى وضوح النص، فرب نص إذا نظرنا إليه معزولا عن السياق وجدناه محتمِلا، لكن إذا نظرنا إليه من خلال سياقه المقالي أو الحالي أو هما معا وجدناه قطعيا في المعنى الذي كنا نجده فيه محتملا، فمثلا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَار} (لأنفال:15) ، يدل على حرمة التولي عند القتال دلالة ظنية محتملة، لأن صيغة النهي (( لا تولوهم ) )ظاهرة في التحريم مؤولة في غيره كما هو رأي الجمهور. لكن لما اقترن هذا النص بالنص التالي له القائل: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت