فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 60

الجدل أو النقاش أو الخلاف أو الحوار في موضوع ما. ويدلُّك على هذا المدّعى المَثَلُ المشهورُ عند العرب: (( قطعت جهيزةُ قولَ كل خطيب ) )؛ وذلك لأنها لما تكلمت بما تكلمت أنهت النقاش والجدال في الموضوع الذي تكلمت فيه [1] .

وسبب إنهاء الكلام لما ذكرنا من المفعولات المقدَّرة، قد يعود لواحد أو لأكثر من الأسباب، ككون الكلام واضحا بليغا، أو ككونه اشتمل على معلومات مستجدة لم تكن معلومة من قبل، كما هو الحال في كلام جهيزة، أو ككون قائله وضع يده على مَعْقِد الخلاف وحرَّر محل النزاع أو كشف عن زيفه ... الخ.

هذا هو التخمين الذي يبدو لنا في أصل وصف الكلام بكونه قاطعا.

وثمة تخمينٌ آخر يمكننا عرضه هنا، هو بزعم الترادف بين الكلام القاطع، والكلام الفاصل. فقد جاء في صفة كلامه، صلى الله عليه وسلم، بأنه (( فَصْلٌ لا نزْرٌ ولا هَذَر ) ) [2] قال ابن الأثير: (( أي بَيِّن ظاهر , يَفْصِل بين الحقّ والباطل , ومنه قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} (الطارق:13) أي فاصِل قاطِع )) [3] . والتفصيل، كما يقول ابن منظور، هو (( التبيين ) ) [4] ، ومنه قوله تعالى: {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} (الإسراء:12) أي: (( بيَّناه بيانا شافيا ) ) [5] . وعلى هذا التقدير يكون معنى الكلام القاطع هو: البيِّن الواضح، ويكون اسم الفاعل هنا بمعنى اسم المفعول، فالقاطع يعني المقطَّع المفصَّل وبالتالي المبيَّن. أو يكون الكلام القاطع بمعنى الفارق المميِّز بين الحق والباطل.

وعليه يكون الفرق بين هذا التخمين والتخمين السابق هو أن القطع في هذا التخمين كان بمعنى التبيين والتفريق، أما في التخمين السابق فالقطع كان بمعنى الإنهاء. والإنهاء قد يكون بسبب كون الكلام بيِّنا أو مفرِّقا بين الحق والباطل، وقد يكون لغير ذلك من الأسباب. وبالتالي يكون القطع بمعنى الإنهاء أعم من القطع بمعنى الفصل.

والذي نرجِّحه هو التخمين الأول لسببين:

أحدهما: أنه لا يُحتاج فيه إلى تأويل اسم الفاعل باسم المفعول. والأصل عدم التأويل.

(1) جاء في مجمع الأمثال: (( قطعت جهيزة قول كل خطيب: أصله أن قوما اجتمعوا يخطبون في صلح بين حيين قتل أحدهما من الآخر قتيلا، ويسألون أن يرضوا بالدية، فبينا هم في ذلك إذ جاءت أمة يقال لها جهيزة فقالت: إن القاتل قد ظفر به بعض أولياء المقتول فقتله، فقالوا عند ذلك: قطعت جهيزة قول كل خطيب، أي قد استُغني عن الخُطب ) ). الميداني، مجمع الأمثال، ج 2، ص 91.

(2) الحاكم، المستدرك على الصحيحين، ج 3، ص 11. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. و الطبراني، المعجم الكبير، ج 4، ص 49.

(3) ابن الأثير: النهاية في غريب الحديث، ج 3، ص 451.

(4) ابن منظور، لسان العرب، ج 11،ص 522.

(5) الطبري، تفسير الطبري، ج 15، ص 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت