فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 60

بكونه قاطعا جاء على سبيل المثل والتشبيه كما هو الحال في وصف الكلام بكونه نافذا (أي: منفَّذَا مطاعا) ، فالنفوذ في الأصل للسهم كما القطع في الأصل للسيف أو السكين، وإنما شُبِّه الكلام بالسهم والسيف تشبيها.

وإذا كان الأمر كذلك وأردنا الإدلاء بدلونا في تفسير معنى وصف الكلام بكونه قاطعا، مستعينين في ذلك بالسنَّة العامة في تطور الألفاظ من الحسِّيات إلى المعنويات، فيمكننا القول بأن القطع، بعد استعماله في الإبانة الحسية فمن ثم المعنوية، استُعمل في المنع من استمرار الشيء، وبالتالي انتهاؤه، كما هو الحال في قوله تعالى: {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا} (الأنعام:45) أي: (( قَطَعَ خَلَفَهم من نسلهم وغيَّرهم فلم تبق لهم باقية ) ) [1] . أو (( فاستؤصل القوم ... عن آخرهم فلم يُترك منهم أحد إلا أهلك ) ) [2] . ومنه قوله، صلى الله عليه وسلم: (( إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود ) ) [3] ، وقوله: (( من أعمر رجلا عمرى [4] له ولعقبه فقد قطع قولُه حقَّه فيها وهي لمن أعمر ) ) [5] . و (( مَقْطَعُ كل شيءٍ ومُنْقَطَعُه: آخره حيث يَنْقَطِعُ، كمَقاطِعِ الرِّمالِ والأَوْدِيةِ والحَرَّةِ وما أَشبهها. ومَقاطِيعُ الأَوديةِ: مآخيرُها. ومُنْقَطَعُ كلِّ شيءٍ: حيث يَنْتَهي إِليه طَرَفُه ) ) [6] . والعلاقة بين القطع بمعنى إبانة أجزاء الشيء، والقطع بمعنى منع استمرار الشيء وانتهائه واضحة، وهي علاقة السبب بالنتيجة، فإبانة أجزاء الشيء تؤدي إلى المنع من استمراره والمنع من استمراره يؤدي إلى انتهائه. ووصف الكلام بكونه قاطعا جاء، والله أعلم، من هذا المعنى. فالكلام القاطع، على هذا، هو المانع من استمرار شيء ما أو المنهي له.

لكنْ ما هو هذا الشيء الذي يمنع الكلامُ القاطعُ من استمراره أو ينهيه؟ أو بعبارة أخرى، ما هو تقدير المفعول به المحذوف المتعلق باسم الفاعل (( قاطع ) )، لأن (( قَطَعَ ) )فعل متعدي في الأصل لا لازم؟

يمكننا هنا أن نلجأ إلى تقدير مفعولات متعددة لهذا الفعل كلها تؤدي إلى الغرض نفسه بحيث تدل على المعنى الدقيق الذي نظنه للكلام القاطع، ومن هذه المفعولات فيما نرى: الجدل أو النقاش أو الخلاف أو النزاع وما إلى ذلك. وعلى هذا يكون الكلام القاطع، لغة، هو الكلام الذي ينهي

(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، ص 427.

(2) الطبري، تفسير الطبري، ج 7، ص 195.

(3) مسلم، الصحيح، (510) ، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلي، ج 1، ص 365.

(4) قال النووي: (( العمرى: قوله: أعمرتك هذه الدار مثلا، أو جعلتها لك عمرك أو حياتك أو ما عشت أو حييت، أو ما يفيد هذا المعنى ) ). النووي، شرح صحيح مسلم، ج 11، ص 70،71.

(5) مسلم، الصحيح، (1625) كتاب الهبات، باب العمرى، ج 3، ص 1245.

(6) ابن منظور، لسان العرب، ج 8، ص 278.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت