فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 60

والذي أميل إليه في هذا الصدد هو أن العلم أو القطع بمعنى الإدراك التام الذي لا يبقى فيه أدنى احتمال، ولو كانت نسبة هذا الاحتمال جزءًا من مليون جزء، لا ينطبق إلا على أوليَّات العقل، ككون الكل أكبر من الجزء، وكون الشيء ونقيضه لا يجتمعان ولا يرتفعان، وأن لكل حادث علة أحدثته. وهذا النوع من القطع لا تفاوت فيه أصلا. وهو (( القطع ) )الذي يصدق عليه قول الغزالي:

هو ما تتيقنه النفس (( وتقطع به، وينضاف إليه قطع ثان وهو أن تقطع بأن قطعها به صحيح، وتتيقن بأن يقينها فيه لا يمكن أن يكون به سهو ولا غلط ولا التباس، فلا يجوز الغلط في يقينها الأول ولا في يقينها الثاني، ويكون صحة يقينها الثاني كصحة يقينها الأول، بل تكون مطمئنة آمنة من الخطأ بحيث لو حُكي لها عن نبي من الأنبياء أنه أقام معجزة وادعى ما يناقضها فلا تتوقف في تكذيب الناقل بل تقطع بأنه كاذب أو تقطع بأن القائل ليس بنبي وأن ما ظن من معجزة فهي مخرقة، وبالجملة فلا يؤثر هذا في تشكيكها، بل تضحك من قائله وناقله. وإن خطر ببالها إمكان أن يكون الله قد أطلع نبيا على سرٍّ به انكشف له نقيض اعتقادها فليس اعتقادها يقينا. مثاله: قولنا: الثلاثة أقل من الستة، وشخص واحد لا يكون في مكانين، والشيء الواحد لا يكون قديما حادثا موجودا معدوما ساكنا متحركا في حالة واحدة ) ) [1] .

أما ما يُذكر من الأمور الأخرى التي تفيد العلم والقطع، كالحس، والعادة، والتواتر، فهذه عند التدقيق لا ينتفي معها بمجردها أصل الاحتمال، وإن كان ورود الاحتمال عليها من الندور بمكان بحيث لا يتجاوز الواحد بالمليون أو حتى الواحد بالمليار. وعليه فالقطع فيها يتفاوت، إذ علمنا بالشيء المشاهد يتقوى شيئا ما بسمعنا له أو لمسنا إياه، لأنه بالسمع واللمس ينتفي احتمال الخداع البصري. وعلمنا ـ من خلال العادة ـ بأن هذه النار مُحرقة، يتأكد إذا ما لمسنا هذه النار مثلا، لأنه ينتفي معه احتمال خرق العادة الذي يطرأ على العاديات جميعها. وعلمنا بوجود الصين ـ من خلال التواتر ـ يرتفع ولو بدرجة واحد بالمليون بزيارتنا للصين ومشاهدتها.

هذا فيما يتعلق بما يُسمَّى بالضروريات، وأما إذا انتقلنا إلى النظريات: كالكون حادث ولكل حادث محدث، فالكون له محدث، فمثل هذه الأمور لا مناص من الاعتراف بتفاوت القطع فيها. ومن أكبر الدليل على ذلك قول إبراهيم، عليه السلام: {بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} (البقرة:260) ، فقد كان إبراهيم، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قاطعا من الناحية النظرية بقدرة الله تعالى على إحياء الموتى لكنه طلب تأكيد هذا القطع عن طريق المعاينة الحسية. ومن هنا قال المصطفى، صلى الله عليه وسلم: (( ليس الخبر كالمعاينة ) ) [2] .

(1) الغزالي، المستصفى، ص 35.

(2) قال الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 1، ص 153: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح وصححه ابن حبان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت