قال النووي: ... وَالصحيح أنه لَيْسَ لَمن صلَّى إلى غير سترة دفْعُ من مر أمامه؛ لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ السُّتْرَةِ؛ وَلِمَفْهُومِ قَوْلِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -"إذَا صَلَّى أحدكم إلى شيء يَسْتُرُهُ ...."وَلَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَكِنْ يُكْرَهُ. ا. هـ [1]
لكن نقول: من أرد المرور بين يدي المصلِّي الذي لا سترة له، فلا يمر إلا بعد مسافة ثلاثة أذرع من موضع قدمي المصلِّي، وهو المذهب عند الحنابلة.
2 -أنَّ الذي يصلِّي إلى سترة وأراد أحد أن يمر بينه وبين سترته فله أن يمنعه من ذلك ,كما ورد ذلك في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه -عندما كان يُصَلِّي يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ شَابٌّ مِنْ بَنِي أَبِي مُعَيْطٍ أَرَادَ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ فَنَظَرَ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا، إِلَّا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي سَعِيدٍ فَعَادَ، فَدَفَعَ فِي نَحْرِهِ أَشَدَّ مِنَ الدَّفْعَةِ الْأُولَى، فَمَثَلَ قَائِمًا، فَنَالَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ، ثُمَّ زَاحَمَ النَّاسَ، فَخَرَجَ فَدَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِيَ، قَالَ: وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى مَرْوَانَ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: مَا لَكَ وَلِابْنِ أَخِيكَ جَاءَ يَشْكُوكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْ فِي نَحْرِهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» [2]
3 -وقوله"فإنما هو شيطان": قد يكون أَرَادَ بالشيطان الْمَار بَين يَدَيْهِ نَفسه؛ وَذَلِكَ أَن الشَّيْطَان هُوَ المارد الْخَبيث من الْجِنّ وَالْإِنْس، وقيل معناه أنَّ الشيطان يحمله على ذلك وأنه من فعل الشيطان وتسويله، والصحيح - والله أعلم - هو المعنى الثاني؛ وذلك لما ورد عند مسلم من طريق ابن عمر مرفوعًا"فليقاتله فإنَّ معه القرين"يريد الشيطان [3] .
(1) ذكره في المجموع (3/ 249)
(2) أخرجه مسلم (505)
(3) وانظر معالم السنن (1/ 188) وعمدة القاري (4/ 291) وشرح الموطأ للزرقاني (1/ 534)