ولكن: يجوز لمن كانت له حاجة أن يخرج من المسجد بعد الأذان، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ، انْصَرَفَ، قَالَ: ... «عَلَى مَكَانِكُمْ» فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا، حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ. [1]
قال البغوي: ففي هذا الحديث دلالة أَنَّ الْخُرُوجَ عَنِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الإِقَامَةِ بِعِلَّةِ طَهَارَةٍ أَوْ عُذْرٍ جَائِزٍ، فَأَمَّا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَيُكْرَهُ الْخُرُوجُ منِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الأَذَانِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْم. [2]
قَالَ ابن عبد البر: أَجْمَعُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ - أي حديث أبي هريرة في النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان - لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ وَكَانَ عَلَى طَهَارَةٍ، فَإِذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ بِإِجْمَاعٍ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ لِلْوُضُوءِ وَيَنْوِيَ الرُّجُوعَ ا. هـ [3]
و يُلْحَقُ بِالْجُنُبِ الْمُحْدِثُ وَالرَّاعِفُ وَالْحَاقِنُ وَنَحْوُهُمْ، وَكَذَا مَنْ يَكُونُ إِمَامًا لِمَسْجِدٍ آخَرَ وَمَنْ فِي مَعْنَاه. [4]
ومن جملة الأمور التي نهى عنها الشرع أنْ يوطِّن الرجل المكان في المسجد لا يصلَّي إلا فيه.
(1) أخرجه البخاري (639) ومسلم (605) واللفظ للبخاري، وقد ترجم له البخاري بقوله: بَاب: هَلْ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ لِعِلَّةٍ؟ ففي هذا دلالة على استدلال البخاري بالحديث على جواز الخروج من المسجد بعد الأذان للحاجة.
(2) وانظر شرح السنة (2/ 91) وشرح الزرقاني (1/ 205) وتحفة الأحوذي (1/ 451) ... قلت: أما قول الإمام البغوي- رحمه الله- بكراهة الخروج من المسجد من غير عذر، فإن كان يقصد كراهة التنزيه، فهذا خلاف ظاهر حديث أبي هريرة السابق ذكره، فإنَّ الأصل في النهي التحريم لا الكراهة، وقد نص أبو هريرة - رضى الله عنه- أنَّ الذي يخرج من المسجد بعد الأذان فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم.
(3) ذكره في التمهيد (10/ 434)
(4) وانظر فتح الباري (2/ 143) وصحيح فقه السنة (1/ 288)