فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «يَا فُلَانُ، أَيَّتُهُمَا صَلَاتُكَ؟ الَّتِي صَلَّيْتَ وَحْدَكَ، أَوِ الَّتِي صَلَّيْتَ مَعَنَا؟» [1]
فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْإِقَامَةِ نَافِلَةً وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ يُصَلِّي النَّافِلَةَ؛ لأنَّ قوله"أو التي صليت معنا"يدل على أنه قد أدرك الصلاة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الركعتين.
وقوله صلى الله عليه وسلم"أيتهما صلاتك"فيه إنكار يريد بذلك تبكيته على فعله. ... والمعنى: أَيِ الصَّلَاتَيْنِ مَقْصُودَةٌ عِنْدَكَ وَخَرَجْتَ مِنَ الْبَيْتِ إِلَى الْمَسْجِدِ لِأَجْلِهَا فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ فَكَيْفَ أَخَّرْتَهَا وَقَدَّمْتَ عَلَيْهَا غَيْرَهَا وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ هِيَ السُّنَّةُ فَذَاكَ عَكْسُ الْمَعْقُولِ إِذِ الْبَيْتُ أَوْلَى مِنَ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ السُّنَّةِ. [2]
فإن قيل: ما حكم النافلة التي يصلِّيها المرء عند إقامة الصلاة؟ ... نقول: من أحرم بالنافلة قبل إقامة الصلاة، ثم أقيمت الصلاة وهو في النافلة، فأعدل الأقوال أنْ يقال: ... 1 - إن علم أنه يُنهى صلاته النافلة دون أن تفوته تكبيرة الإحرام [3] ، أتم صلاته، وَلَمْ يَقْطَعْهَا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} . ... 2 - إن علم أنه تفوته تكبيرة الإحرام إذا أكمل النافلة قطعها، لهذه الأحاديث، ويكون الخروج منها بالسلام؛ وذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -"تحليلها التسليم"، ولحديث الرجل الذي صلَّى مع معاذ - رضي الله عنه - فلمَّا أطال معاذ الصلاة سلَّم الرجل وخرج ثم صلَّى وحده، فالصلاة التي خرج منها الرجل لم تكن صلاة كاملة، ومع ذلك فقد خرج منها بالتسليم والله أعلم. [4]
أما أن يستمر في صلاة النافلة حتى تفوته تكبيرة الإحرام مع الإمام، فالراجح - والله أعلم - هو عدم إجزاء النافلة التى صلاها؛ وذلك لقوله
(1) أخرجه مسلم (712) أبو داود (1261) وابن ماجه (1152)
(2) وانظرشرح مسلم (3/ 240) ومعالم السنن (1/ 274) وحاشية السندي على ابن ماجه (1/ 352)
(3) وتكبيرة الإحرام تفوت إذا شرع الإمام في فاتحة الكتاب.
(4) والرواية التي ورد فيها أن الرجل سلَّم ثم صلَّى وحده، رواها مسلم (465) وانظر المغنى (1/ 456) والتيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 77) وصحيح فقه السنة (1/ 519)