-وعن قرّة بن إياس قال: رآني عمر، وأنا أُصلي بين اسطوانتين، فأخذ بقفائي فأدناني إلى سترة، فقال: صلَّ إليها. [1]
وجه الدلالة:-
فعل عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - حين دفع الرجل وهو يصلي ليدنيه من السارية - ممَّا يخرج الرجل عن خشوعه - يدل على وجوب اتخاذ السترة, فمثل هذا الفعل لا يكون إلا لما كان واجبًا، والله أعلم.
و عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ، إِذَا لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، قَالَ لِي: «وَلِّنِي ظَهْرَكَ» [2]
قال عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه: أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَوْ يَبُولَ قَائِمًا أَوْ يَسْمَعَ الْمُنَادِيَ ثُمَّ لَا يُجِيبَهُ. [3]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- رضي الله عنه قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ المَغْرِبِ»، وَزَادَ شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [4]
ممَّا دل أنَّ هذا الأمر كان سُنة الصحابة - رضي الله عنهم -. ... قال ابن هانئ: ... رآني أبوعبد الله (يعني أحمد بن حنبل) يومًا وأنا أصلِّي وليس بين يدي سترة، فقال لي: استتر بشيء، فاستترت برجل. [5]
(1) رواه البخاري معلقًا (1/ 836) ووصله ابن أبي شيبه في مصنفه (7502) و ابن حجر في التغليق (2/ 248) وسنده حسن.
(2) أخرجه ابن أبى شيبة (2878) وسنده صحيح.
(3) أخرجه ابن أبى شيبة (4716) بسند صحيح. وانظر القول المبين في أخطاء المصلين (1/ 80)
(4) أخرجه أحمد (13983) والبخاري (503) ... غريب الحديث: (يبتدرون) يتسارعون ويستبقون. (السواري) جمع سارية وهي الدعامة التي يرفع عليها سقف المسجد]
(5) وانظر مسائل ابن هانئ لأحمد (ص/166) ... فائدة: وقد ذهب الجمهور إلى القول باستحباب اتخاذ السترة، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس قال: [أقبلت راكبًا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله r يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار, فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك عليَّ أحد] متفق عليه.
قال الشافعي: (إلى غير جدار) : إلى غير سترة. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس: [أن النبي - صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء] رواه أحمد وأبو داود والنسائي
والراجح ما ذكرنا أعلاه أما الرد على الجمهور: أولًا: الجواب عن قول ابن عباس: [إلى غير جدار] من وجوه:
1 ـ أنه يخالف ما ثبت عنه أيضًا حيث قال: [ركزت العنزة بين يدي رسول الله بعرفات فصلى إليها والحماريمر من وراء العنزة] رواه أحمد وابن خزيمة، وسنده صحيح، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يتركها في عرفات، فكيف يتركها في منى؟!
2 ـ أنه جاء ما يفسر قول ابن عباس: [إلى غير جدار] وهو من طريق ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم أن مجاهدًا أخبره عن ابن عباس قال: [جئت أنا والفضل على أتان فمررنا بين يدي رسول الله (بعرفة) وهو يصلي المكتوبة, ليس شيء يستره يحول بيننا وبينه] رواه ابن خزيمة (838) وسنده صحيح.
وقال الشوكاني:"ويحمل حديث ابن عباس على أن صلاته كانت إلى سترة, مع وجود السترة لا يضر مرور شيء من الأشياء المتقدمة, كما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة: [ويقي من ذلك مثل مؤخرة الرحل] , وقوله في حديث أبي ذر: [فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل] ... 3 - لا يلزم من نفي الجدار نفي السترة , ويدل على هذا أنَّ البخاري بوَّب على هذا الحديث باب"سترة الإمام سترة لمن خلفه"فاقتضى ذلك أنه صلى الله عليه وسلم- كان يصلي إلى سترة ..".
وأما الجواب عن حديث ابن عباس: [أن النبي صلى الله عليه وسلم- صلى في فضاء .. ] فهو حديث ضعيف فيه حجاج بن أرطأة وهو ضعيف ومدلس وقد عنعنه. وقد ضعفه الألباني في الضعيفة برقم (5814) , وتمام المنة ص (304) .