الصفحة 17 من 50

وأما قطرة الأذن فلا إشكال فيها لأن الأذن لا توصل إلى موضع التفطير، اللهم إلا إن كانت الطبلة مثقوبة فهنا يكون حكم الداخل من الأذن كحكم الداخل من الأنف والعين في العفو عنه لقلته، وقد يمتص الدم بعض الأدوية التي توضع على الأذن، إلا أنه امتصاص قليل وبطيء لا يقع التفطير بمثله، إلا إذا كان الداخل كثيرًا كما يقع عند غسل الأذن كما ذكر بعضهم [1] ، وتقدم نقل شيء من كلامهم في الداخل عبر الأذن عند تعريف الجوف.

ومما يشهد لهذا كله ـ وهو الترخيص في بخاخ الفم والأنف وقطرة العين والأذن ـ ما نجده في آثار أهل العلم من الترخيص للصائم في إساغة بقايا ماء التمضمض، ففي بيان الشرع ما نصه:"عن أبي عبيدة الصغير قال: قلت للصائم إن تمضمض فاه ثم يقذف بالماء، ويسيغ ما بقي قبل أن يبزّق، قال: لا بأس" [2] وفي التاج:"ومن تمضمض وقذف الماء وأساغ باقيه فلا عليه" [3] ، وقال العلامة أبو نبهان:"لا بأس على من تمضمض بالماء ثم قذفه أن يسرط ما يبقى" [4] والداخل بسبب الأدوية المشار إليها- إن قيل بدخوله- لا يزيد عن هذا المقدار.

ويمكن أن يستدل لهذا الذي قاله هؤلاء العلماء الأعلام - وهو موجود عن غيرهم أيضا- بأنه لم يؤثر عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه كان يكثر من بزق الماء بعد الوضوء تحرزا من ولوج شيء من الماء إلى جوفه.

هذا وأما ضبط المقدار الذي يعفا عنه فراجع إلى الأطباء والمختصين، فإن رأوا أن الكمية الداخلة أقل مما يدخل عادة أثناء المضمضة والاستنشاق فلا يعد ذلك مفطرا، وإن رأوا أنها أكثر فهي مفطرة. وقد علمت من بعض الأطباء أن ضبط هذا المقدار فيه شئ من العسر عندهم وذلك راجع إلى اختلاف مقدار ما يستخدمه كل متوضئ من الماء عند وضوئه فمنهم المقل و منهم المكثر، ومن ناحية أخرى فإن مجرى الطعام في الإنسان يختلف ضيقا وسعة من شخص لآخر [5] ، فهل يقال بأن الأصل صحة الصوم فلا ينتقض إلا بدخول مقدار نتيقن أنه يزيد عما يدخل عند المضمضة والاستنشاق عند كل أحد باعتبار أن الشارع رخص في ذلك من غير تقييد؟ أم يقال بأن الأصل أن الصائم ممنوع من إيصال شئ إلى موضع التفطير ولو قل، ولولا ترخيص الشارع في المقدار الذي رخص فيه لقيل بالنقض بكل داخل، وعليه فلا يرخص إلا في أقل ما لا يمكن التحرز منه مما يتفق الأطباء على أنه لا بد من دخوله لكل متمضمض ومستنشق من غير أن يطالب الصائم بالمبالغة في بزق الماء المتبقي في فمه؟

المسألة محل نظر، ولعل الاتجاه الثاني أقوى لما فيه من الاحتياط لهذه الشعيرة المقدسة وهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.

(1) - مفطرات الصيام المعاصرة: ص 21.

(2) - بيان الشرع: ج 20 ص 248.

(3) - التاج: ج 3 ص 60.

(4) - لباب الآثار: العلامة الصائغي، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1404، ج 3، ص 111.

(5) - مقابلة مع الدكتور يعقوب بن عبدالله الصوافي: طبيب عام بالمستشفى السلطاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت