وبعد هذه الجولة مع مختلف الآراء والمذاهب من موسع ومضيق في تعريف الجوف، وبعد لقاء مع أكثر من طبيب ومختص لمعرفة سير الغذاء والدواء في الجسد يتبادر إلى الباحث أن اعتبار المفطر ما وصل إلى الجوف أمر لم يدل عليه دليل شرعي لا من الكتاب ولا من السنة - وإن جرى عليه أكثر الفقهاء السابقين - وهذا مما نبه عليه بعض العلماء المعاصرين، منهم الدكتور حسان شمسي باشا حيث يقول:"لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة أي نص على الجوف في موضوع الصيام" [1] وقد سبقه إلى ذلك بعض الأقدمين كابن تيمية في فتاويه [2] ، وإذا نظرنا إلى الحكمة من الصيام لوجدنا أنها حبس النفس عن شهواتها وفي مقدمتها الأكل والشرب، وعليه فما وصل مما يدخل بدن الصائم إلى موضع يمكن أن يستفيد منه الجسم استفادته من الطعام والشراب فهو مفطر ولو قل، إلا ما رخص فيه أو في مثله الشارع الحكيم - وسيأتي بيانه قريبا إن شاء الله- ويستوي في ذلك المغذي وغير المغذي عند جمهور أهل العلم، وعلى هذا فيمكن أن نعرف المفطر بأنه: ما وصل الدم بعد مرحلة الامتصاص [3] ويلحق به كل عضو يمتص منه الدم كالمعدة والأمعاء، أما الأعضاء الموصلة إلى المعدة أو الأمعاء فهي غير مفطّرة لذاتها، وإنما لأنها توصل إليهما، وعلى هذا فإن تيقنا أن ما وضع فيها لا يصل إلى المعدة أو الأمعاء فلا يعد مفطرا و إلا فالأصل التفطير بالواصل إليها، ويستثنى من هذا ما كان قليلا لا يمكن التحرز منه كالداخل عن طريق مسام الجلد - مما يمكن أن ينفذ من خلال مسامه كبعض الأدهان [4] - كما يستثنى ما كان قليلا جدا وقد عفا الشارع عنه أو عن مثله كبقية ماء الوضوء التي يسيغها الإنسان مع البزاق أو قطرات البخاخ أو قطرة العين [5] ، وسيأتي بيان ذلك كله مفصلا- إن شاء الله تعالى- عند تفصيل المفطرات.
وإنما اخترنا أن المفطر هو ما وصل الدم بعد مرحلة الامتصاص؛ لأن الجسد ينتفع بالواصل إلى الدم انتفاعا مباشرا بحيث توضع فيه الأغذية الجاهزة التي لا تحتاج إلى هضم، ولا يمكن أن نقول بأن موضع التفطير هو المعدة وحدها أو المعدة والأمعاء فقط، لأن ما يوضع في الدم قد تجاوز مرحلتي المعدة والأمعاء، وينتقل عبر الدم لينتفع به الجسد، كما أنه لا يمكن أن نقول بأن ما وصل الأمعاء غير مفطر
(1) - الصوم بين الطب والفقه: ص 129.
(2) - فتاوى ابن تيمية: ج 25، ص،242، وسيلاحظ القارئ الكريم أني أستخدم مصطلح (موضع التفطير) بدلا من (الجوف) إلا عندما أنقل كلام غيري أو أشير إلى عنوان هذا المبحث.
(3) - مرحلة الامتصاص يقصد بها: النقطة التي يمتص فيها الدم المواد التي يحتاجها الجسم من المعدة و الأمعاء تمهيدا لنقلها إلى سائر أجزاء الجسد للانتفاع بها
(4) - وأما الماء فإنه لا ينفذ من خلال مسام الجلد إلى البدن، وهذه من خصائص الجلد كما قرر الأطباء والمختصون خلافا لما توهمه بعض الفقهاء من أن الماء قد ينفذ من البدن عبر الجلد، وأما ما يجده الإنسان من راحة بعد الاغتسال فذلك بسبب الحركة التي يقوم بها عند الاغتسال فإن ذلك مما ينشط الدورة الدموية، كما أن إزالة النجاسات و الأوساخ من شأنه أن يعطي الإنسان الحيوية والنشاط (مقابلة مع الدكتور مصباح تنيرة: أستاذ مشارك ورئيس قسم العقاقير والأدوية بجامعة السلطان قابوس.) .
(5) - لا يفهم من هذا أن يتمادى الصائم في إساغة المتبقي من ماء المضمضة والاستنشاق بحجة أن ذلك مما رخص فيه الشارع، بل لا بد من التحري قدر المستطاع، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصائم بعدم المبالغة في الاستنشاق - كما سيأتي تخريجه قريبا إن شاء الله - وإنما غاية ما يفهم منه أنه مع هذا التحرز لا بد من أن يسيغ المتمضمض والمستنشق شيئا من بقايا الماء في الفم والخياشيم.