وهذه القضية لها علاقة بمسألة الحجامة و تفطيرها للصائم.
وقد اختلف العلماء فيها إلى قولين:
فذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف إلى أن الحجامة لا تفطر، وهذا القول مروي عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس، وأنس بن مالك وأبي سعيد الخدري وأم سلمة، وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والشعبي والنخعي، والثوري، وهو قول أصحابنا الإباضية والمالكية والشافعية والحنفية، وداود الظاهري وابن حزم الظاهري.
وقيل: بأن الحجامة تفطر، وهذا القول روي عن على بن أبي طالب وأبي هريرة وعائشة، والحسن البصري وابن سيرين وعطاء والأوزاعي ومسروق وإسحاق بن راهويه، وأحمد وأصحابه، وجماعة من الشافعية منهم: ابن المنذر وابن خزيمة وأبو الوليد النيسابوري، والحاكم أبو عبدالله [1] .
وقد احتج القائلون إن الحجامة تفطر بالحديث المروي عن الرسول ــ صلى الله عيه وسلم ــ أنه قال:"أفطر الحاجم والمحجوم" [2] .
وهذا الحديث جاء من طرق متعددة عن عدد من الصحابة منهم: ثوبان، وشداد بن أوس، ورافع بن خديج، وأبو موسى، ومعقل بن سنان، وأسامة بن زيد، وبلال، وعلي، وعائشة، وأبو هريرة، وابن عباس، وسمرة، وأنس، وابن عمر، وسعد بن مالك، وأبو زيد الأنصاري، وابن مسعود [3] .
و أقوى هذه الروايات رواية ثوبان، وشداد بن أوس، ورافع بن خديج، ولم تخل طريق من طرقه من نقد عند الحفاظ إلا أن كثرة طرقه وقوة بعضها جعل كثيرا من الحفاظ يصححونه، وممن صححه أحمد وابن المديني والبخاري وإسحاق بن راهويه والحاكم وعثمان بن سعيد وإبراهيم الحربي وابن حزم وابن كثير وابن القيم وابن تيمية وغيرهم [4] .
وقد ضعفه بعضهم، قال الزيلعي في نصب الراية:"وبالجملة فهذا الحديث - أعني حديث أفطر الحاجم - روي من طرق كثيرة وبأسانيد مختلفة كثيرة الاضطراب وهي للضعف أقرب منه إلى الصحة مع عدم سلامته من معارض أصح منه، أو ناسخ له "إلى أن قال:"وقال صاحب التنقيح قد ضعف يحيى بن معين هذا الحديث وقال: إنه حديث مضطرب ليس فيه حديث يثبت، قال: ولما بلغ أحمد بن حنبل هذا الكلام قال: هذا مجازفة، وقال إسحاق بن راهويه: هو ثابت من خمسة أوجه، وقال بعض الحفاظ: إنه متواتر قال: ليس ما قاله ببعيد " [5]
وأما من قال بأن الحجامة لا تفطر الصائم فاحتج بعدة أدلة منها:
(1) - انظر معارج الآمال: ج 18، ص 171، المجموع: ج 3، ص 364، والمنن الكبرى شرح وتخريج السنن الصغرى: د. الأعظمي، مكتبة الرشد، الرياض السعودية، ط 1، 1422، ج 3، ص 331، وعون المعبود: العظيم آبادي، دار الفكر، بيروت لبنان، 1415 (ومعها تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) ، ج 6، ص 389.
(2) - رواه أحمد (15828) ، وأبو داود (2364) وابن ماجه (1679) ، والترمذي (774) ، والبيهقي في السنن الكبرى (8275) وغيرهم.
(3) - راجع تخريج هذه الروايات نصب الراية: ج 2 ص 498 - 504، وانظر عبد الرزاق: (7519 ـ 7527) .
(4) - راجع المنن الكبرى: ج 3، ص 325، و عون المعبود: ج 6 ص 398، (تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود) ، والمجموع: ج 6، ص 264.
(5) - نصب الراية: ج 2 ص 507.