لا شك في تفطيرهما للصائم وذلك من وجهين:
1.أن المواد التي يرتشفها المدخن تصل إلى رئتيه ويمتصها الدم وتصل إلى سائر جسده [1] ، وما كان كذلك فهو مفطر للصائم كما تقدم من تعريفنا للمفطر [2] .
قال القطب في شرح النيل (ومن دخل حلقه كذباب أو دخان أو غبار أو دخان أو نحو ذلك بلا عمد أرجو أن لا بأس عليه) [3] .
فاذا كان دخول الغبار أو الدخان عمدا يفسد الصوم فما بالكم بمن يتعمد ارتشاف هذه السموم؟
وقال في الذهب الخالص عند ذكره ما يعفى عنه للصائم: (ولا ما لا يجد بدا منه كذباب وغبرة على الصحيح، إذ لا عمل له في ذلك، وندب لمعالجها تغطية فمه وأنفه، قلت تجب، وإن وجد في حلقه فلا عليه، والدخان من ذلك لأنه جسم فيجب على معامله أن يتحرز، وما دخله فوق طاقته فلا بأس) [4] .
وهو واضح في الدلالة على فساد الصوم بالتدخين.
وقال النووي: (فلو فتح فمه عمدا حتى دخل الغبار ووصل حلقه فوجهان حكاهما البغوي والمتولي وغيرهما. قال البغوي: أصحهما لا يفطر، لأنه معفو عن جنسه والثاني يفطر لتقصيره) [5] .
وأنت ترى أن ترخيص البغوي ومن معه في الغبار إذا فتح له فمه عمدا معلل معهم بأنه معفو عن جنسه، ولا شك أن التدخين ليس مما يعفى عنه بل مما يشدد فيه فلا يدخل تحت هذا القول فتنبه لذلك، ثم من ناحية أخرى فالمدخن لم يكتف بفتح فمه للدخان بل وضعه في فمه وتعمد ارتشافه.
2.أن ارتشاف التدخين هو معصية من المعاصي، بل كبيرة من كبائر الذنوب، وذلك لما فيه من ضرر بالجسد وبجميع أجهزة الإنسان، كالجهاز الهضمي والتنفسي والتناسلي والعصبي وغيرها وهو مسؤول عن قائمة كبيرة من الأمراض المستعصية، وهذا مما لا خلاف فيه بين الأطباء [6] ، وكبائر الذنوب مفطرة للصائم وذلك للأحاديث الصحيحة الناصة على ذلك منها:
1 -قوله صلى الله عليه وسلم: (لا أيمان لمن لا صلاة له، ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا صوم إلا بالكف عن محارم الله) . [7]
فهذا الحديث ينص على انتفاء الصوم بارتكاب المعاصي.
2 -قوله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) [8]
(1) - دليل الأسرة الطبي المصور: د. هاني عرموش، دار النفائس، ط 2،1423 هـ دمشق سوريا، ص 16 - 19
(2) - الموسوعة الطبية: ص 184.
(3) - شرح النيل: ج 3 ص 423.
(4) - الذهب الخالص: ص 249.
(5) - المجموع: ج 6 ص 339.
(6) - يراجع للمزيد حول حكم التدخين وأضراره رسالة لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة.
(7) - رواه الإمام الربيع، (91) .
(8) - رواه البخاري، (1804) .