الصفحة 2 من 50

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي فرض على عباده الصيام، ليطهرهم به من الذنوب والآثام، وليرفعهم به إلى أرقى درجات الكمال والإنعام، أحمده وأستعينه وأستهديه، وأومن به وأتوكل عليه، وأستغفره من جميع الذنوب وأتوب إليه، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أوفى الصيام حقه، وتركنا من أمره على هدى ومحجة، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وأتباعه وصحبه.

أما بعد:

فإن الصيام من أفضل العبادات وأسماها، وأرفعها منزلة عند الله وأعلاها، ويكفي في شرفه أنه سبب لحصول التقوى - التي هي جماع الخير وسبيل النجاة في الدنيا والآخرة - يقول الله تعالى في سورة البقرة:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون"، وحسبه قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه:"من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا" [1] وقوله:"خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، فارق عبدي شهوته وطعامه من أجلي فالصيام لي وأنا أجزي به" [2] .

وقد جاء في كتاب الله تعالى ذكر طائفة من أحكام الصوم، وتكفلت السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم- ببيان طائفة أخرى، وتولى علماء الإسلام هذه الأحكام بالتفصيل والشرح منذ القرن الأول وإلى الآن، إلا أن هذا العصر شهد طفرة مذهلة- لم يسبق لها مثيل- في شتى جوانب الحياة وظهرت مسائل مستعصية يحار لها عقل اللبيب، فانبرى لها علماء الإسلام تأصيلا وتفصيلا وإحكاما، وأنزلوا كل نازلة منزلتها، وقد لحقت هذه المستجدات الصيام- كغيره من العبادات- فكان لابد من تسليط الضوء عليها وبيان حكمها وفق كتاب الله تعالى وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم - وهو ما قامت به المجامع الفقهية- وعلى رأسها مجمع الفقه الإسلامي الدولي- وقام به العلماء من خلال بحوثهم وفتاويهم، وخير هذه الكتابات هي كتابات الأطباء الجامعين بين الفقه والطب، لأن تصورهم لهذه القضايا أدق وأعمق.

وقد أردت أن أتشرف بالجري في هذا المضمار- وإن كان مقامي دون ذلك بكثير- وذلك بالكتابة في بعض القضايا المستجدة المتعلقة بالصوم في ضوء ما دونه العلماء الأقدمون، لأنني أظن أن كثيرا من هذه القضايا المستجدة لها نظائر تكلم فيها العلماء الأقدمون- كما سيتضح من خلال هذا البحث إن شاء الله-.

وأقدم هذا البحث لمجمع الفقه الإسلامي في دورته الثامنة عشرة.

(1) - رواه البخاري (2685) ، ومسلم (1153) .

(2) - رواه الربيع (328) ، ورواه البخاري (1894) ، ومسلم، الصوم (164) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت