الصفحة 23 من 44

مجردةٍ عن النزاع, بمعنى: أن الصورة التي نزل عليها حكمُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي في قضية منازعةٍ وخصومة، ومع وجود فراش يُتنازعُ حوله!

وهذا الاتجاه في فَهم الحديث؛ نُقِلَ عن عددٍ من الأئمة, ومنهم: إسحاق بن راهويه فيما نقله عنه ابن القيم - رحمه الله -, حيث قال: (فكان إسحاق بن راهويه يذهبُ إلى أن المولودَ من الزنى إذا لم يكن مولودًا على فراش يدعيه صاحبه وادعاه الزاني, أُلحق به, وأول قول النبي - صلى الله عليه وسلم -(الولد للفراش) على أنه حكم بذلك عند تنازع الزاني وصاحب الفراش ... ) [1] .

وقد أشار الإمامُ ابنُ عبد البر المالكي لمثل هذا في التمهيد حيث ظهر من كلامه حصر دلالة الحديث في وجود الفراش فقط - وجعل هذا هو محل الإجماع [2] .

وهو الرأي الذي نصرهُ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية وتلميذُه ابنُ القيم رحمهما الله [3] .

ثانيًا: مما قيل في مناقشة هذا الدليل, أن الحديثَ ليس فيه دلالة على الحصر في قوله (الولد للفراش وللعاهر الحجر) , ولو كان للحصر (لاقتضى التقدير أن يُقال: لا ولد إلا من فراش, ولا حجر إلا على من كان منه الزنا, ويلزم منه: أن كل ولدٍ يكون من فراش أن يثبت له النسب, ولا ينفى عنه إلا إذا كان من زنا، ولكن وجدنا أحوالًا تُخالفُ القاعدة, فقد يكون ثمة فراش قائم ولا يثبت معه النسب، كما لو كان الزوج صبيًا, أو أن المرأة أتت بولدٍ لأقل من ستة أشهر, فكيف يُحَكمُ بالحديث على أنه يدل على الحصر؟ كما أنا وجدنا أن الولد قد يُنفى عنه النسب من غير زنا, كما لو نفاه الزوجُ باللعان, فالفراش قائم والزوج ليس بزان, ولا نُثبت مع ذلك نسبًا!) [4] .

(1) زاد المعاد (5/ 425) .

(2) أنظر: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (8/ 183) .

(3) الفتاوى (31/ 374) , (32/ 139) ، زاد المعاد 5/ 425.

(4) النسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته ص 222.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت