وذهب أيضًا إلى الأخذ بظاهر الحديث المذكور بعض الفقهاء المعاصرين. يقول الشيخ علي الخفيف معلقًا على أمر الإمام عمر بن الخطاب للضحاك بإجراء ماءه فوق أرض محمد: (وذلك نتيجة كما يظهر لثبوت حق ارتفاق على أرض محمد بن سلمة لأرض الضحاك بحكم الشرع) [1] .
على أن الشيخ الخفيف يستفيد من الحديث المذكور في الاستدلال على ثبوت حق الارتفاق بسبب حكم شرعي صادر بشأنه , وليس بسبب الضرورة كما ظاهر لمذكره. غير ان الواضح أن ذلك الحكم الشرعي الذي ورد يستند دون شك إلى حصول الضرورة وتحققها.
ورغم أنني لم أصادف لفقهاء الحنفية ما ينص على إثباتهم لحق الإرتفاق بسبب الضرورة إلا أن فقيههم السرخسي أورد ما يشير إلى هذا الاحتمال ويدعمه. ويقول السرخسي في حكم مرور الناس على أرض مملوكة لغيرهم حين يكون مرورهم ضروريًا متعينًا على تلك الأرض خاصة كمرورهم إلى مورد الماء ولو أراد المسلمون ان يمروا في تلك الأرض ليسقوا من ذلك الماء فمنعهم منه , فإن لم يكن لهم طريق غيره لم يكن له أن يمنعه وإن كان يملك رقبتها. ولكنهم يمرون في أرضه ومشرعته بغير إذن , إلا أن الموضع الحاجة والضرورة. فالماء سبب حياة العالم. قال تعالى: {وجعلنا من الماء كل شيء حي} . فإذا لم يجدوا طريقًا آخر كان هذا الطريق متعينًا لوصولهم منه إلى حاجتهم. فليس له أن يمنعهم من ذلك [2] . وفي رأيي انه ينبغي ان يثبت حق الارتفاق بسبب الضرورة. وهو ما يتفق مع المنطق السليم ومع روح الشرع وغاياته , وهي دفع الضرر عن الناس وحفظ مصالحهم من الهلاك والضياع , ولو أدى ذلك على إلحاق الضرر بالغير مادام أنه ضرر يسير يمكن تحمله. والقاعدة الشرعية أن الضرر الأشد يدفع بضرر أخف [3] . فالذي لا يتمكن من المرور إلى أرضه إلا عبر أرض أخرى لآخر , ينبغي أن يثبت له هذا المرور , إذ بدونه لا يتمكن من الوصول إلى أرضه ومن ثم يتعذر عليه الانتفاع بها , وهو ضرر بالغ به ينبغي أن يرفع عنه.
على أنني أرى أنه من الضروري أن يقترن تحقق الضرورة بحكم شرعي صادر من جانب الإمام أو من يقوم مقامه لتتأكد بذلك مشروعية الحق وصحة ثبوته. وهذا لأن حصول الضرورة وتحققها أمر تقديري يختلف فيه الناس , ويتأثر الفصل فيه بالأطماع والأغراض. ولهذا فلا بد عندي من توثيق الحق الثابت بالضرورة بواسطة حكم الإمام أو من يقوم مقامه. كذلك فإنني أري أن الحق في الارتفاق يثبت في هذه الحالة ثبوتًا موقوتًا مرهونًا ببقاء تلك الضرورة. تنتهي بانتهائها.
(1) الملكية في الشريعة الإسلامية , ج 1 ,ص 143.
(2) المبسوط , ج 23 , ص 191.
(3) انظر الأشياء والنظائر , ص 96.