المبحث الثاني
أسباب ثبوت حق الارتفاق
المراد بأسباب ثبوت حق الارتفاق الأسباب التي تجعل منه حقًا ثابتًا مشروعًا بحيث يغدو في مقدور صاحب العقار الذي يكون ثابتًا له المطالبة به كحق ثابت شرعًا. وبالجملة فإنه يراد من أسباب ثبوته تلك الأسباب التي تقرره على عقار آخر, بكل ما يترتب على ذلك من مزايا ومنافع للعقار الثابت له, وما يقتضيه من واجبات والتزامات على العقار الآخر الثابت عليه.
وهذه الأسباب يمكن تقسيما في الفقه الإسلامي إلى أسباب منشئة للحق ابتداء , و أسباب تصبغ عليه صفة المشروعية والثبوت عند تعزر الوقوف على السبب المنشئ له.
يقصد بالشركة العامة اشتراك الناس عامة في الانتفاع بمرفق عام دون اختصاص بعضهم عن سائرهم. ومن صور ذلك اشتراك الناس جميعًا في الانتفاع بمياه البحار والأنهار العامة , إذ أن هذه المرافق المشتركة ليست مملوكة لأحد أو جماعة منهم , ولهذا فلا يختص أحد بالانتفاع بها دون سائرهم لأنها خلقت لانتفاع الناس كافة.
وينشأ حق الارتفاق في نظر الفقهاء بسبب هذه الشركة العامة نظرًا لثبوت انتفاع الناس جميعًا بالمنافع العامة كالبحار والأنهار العامة. والطرق العامة ونحو ذلك لأنفسهم ولأملاكهم , فيجوز لكل صاحب أرض ان يستعمل الطريق العام للوصول إلى أرضه أو في المرور منها إلى أرض أخري , ويكون ثابتًا لها بذلك حقها في مرور صاحبها إليها أو منها على ذلك الطريق [1] .
ولهذا فإنه إذا بنى رجل في الطريق العام بناء , فيجوز عند الفقهاء لكل شخص كان أن يعترض وأن يطالب بهدم بنائه حفاظًا على حقه المشروع في ذلك الطريق وهو حقه في التطرق عليه , إذ الحق فيه ثابت للناس جميعًا [2] . ولكن في زماننا هذا وحتى لا يأخذ الناس حقوقهم بأيديهم فإن القانون يحدد كيفية التعامل في مثل هذه المجالات اللجوء إلى السلطات المختصة لإزالته.
واشترط الفقهاء لجواز الانتفاع بالمنافع العامة من الأنهار والطرق و غيرها ألا يكون الانتفاع ضارًا بالغير و إلا منع في الحال [3] . وقد قصد من اشتراط عدم الإضرار لجواز الانتفاع مراعاة حقوق الغير. وهذا لأن هذه المنافع المشتركة ينتفع بها الناس
(1) تحفة المحتاج بشرح المنهاج , ج 5 , ص 198.
(2) شرح الحطاب , ج 5 , ص 152 - شرح فتح القدير , ج 8 , ص 330.
(3) تبين الحقائق شرح كنز الحقائق , ج 6 , ص 39 - غاية المنتهى , ج 2 , ص 282.