ومن هذه الشروط التي يجوز اشتراطها في العقد حقوق الارتفاق بأنواعها. فيجوز أن يشترط ثبوت حق ارتفاق في العقد , ويلزم الوفاء به وتحقيقه مادام أن الشرط صحيح مشروع. ومن ذلك أن يكون لشخص أرضان فيبيع إحداهما للآخر. ثم يشترط عليه في البيع أن يضمن له حقه في المرور إلى أرضه التي استبقاها على الأرض التي باعها , على أساس أنه حق ثابت له. فإذا قبل المشتري البيع بهذا الشرط , فإن حق المرور المذكور يكون ثابتًا على أرضه لأرض البائع.
أجاز بعض الفقهاء أن ينشأ حق الارتفاق بسبب التبرع به. فيجوز عند المالكية أن يتبرع الشخص لغيره بحق الارتفاق لمصلحة عقار المتبرع له على عقاره , سواء كان تبرعه لمدة مؤقتة تنتهي في وقت معلوم أو كان مؤبدًا.
وفقهاء الحنفية لا يجوز عندهم التبرع بحق الارتفاق , إذ لا يعدون الحق مالًا [1] .
يثبت حق الارتفاق أيضًا عند بعض الفقهاء بسبب الاضطرار إليه , كأن كانت مصالح الشخص تتهدد بسبب عدم تمكنه من الارتفاق. فقد لا يتمكن مالك الأرض منى الوصول إلى أرضه إلا بمروره عبر ارض أخرى مجاورة مملوكة لغيره , أو لا يتمكن من سقيها إلا بإجراء مائه إليها على تلك الأرض المجاورة. ومن ثم فهو مضطر إلى الارتفاق بأرض غيره , وإلا تهددت مصالحه وتعزر عليه الانتفاع بأرضه. ولهذا فإنه يثبت له مشروعية الارتفاق بأرض غيره في مثل هذه الحالة عند أولئك الفقهاء تمكينًا له من الانتفاع بأرضه والمحافظة على مصالحه فيها , ولو لم يأذن له ذلك الغير نظرًا لهذه الحاجة والضرورة القصوى.
وقد استند بعض هؤلاء الفقهاء الذين ذهبوا إلى ثبوت حق الارتفاق بسبب الضرورة إلى ما رواه الإمام مالك عن عمرو بن يحي المازني عن أبيه أن الضحاك بن خليفة ساق قناة له من العريض [2] . وكان بين هذه القناة وبين أرضه التي يريد ريها بذلك الماء أرض لمحمد بن سلمة. فأراد أن يجري ماءه عبر أرض محمد المذكورة فمنعه الآخر فاحتج الضحاك بقوله: لم تمنعني وهو لك منفعة , تشرب منها أولًا و آخرًا ولا يضرك؟ فأبى محمد أن يسمح له مع ذلك فشكاه الضحاك إلى الإمام عمر بن الخطاب فسأله عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولًا وآخرًا وهو لا يضرك قال محمد: لا والله , فقال عمر: والله ليمرّن ولو على بطنك. وأمر الضحاك أن يفعل ذلك [3] .
(1) المبسوط 23/ 183 - ابن عابدين , ج 5 , ص 51.
(2) موضع بقرب المدينة. (انظر المنتقى شرح الموطأ ج 6 , ص 46.
(3) موطأ الإمام مالك , ج 2 , ص 122.