ولكن بعض الفقهاء ذهبوا إلى جواز تصرف المالك في ملكه ولو أضر بجاره , ومن هؤلاء متقدمو الحنفية [1] والإمام ابن حزم [2] و الإمام أحمد في رواية عنه [3] .
والذي عليه جمهور الفقهاء تقييده مراعاة لحق جاره في عدم تعريضه للضرر و الإيذاء.
وقد استند القائلون بمنع التقييد على قاعدة حرية التصرف في الملك, وهي قاعدة شرعية ثابتة , إذ أن مقتضى الملكية جواز التصرف في الملك بكامل الحرية و الاختيار.
واحتج الذين ذهبوا إلى منع المالك من التصرف في ملكه حين يكون ضارًا بجاره , بأن الضرر الذي يلحق بالجار بسبب ذلك التصرف قد يكون شديدًا يصعب تحمله و السكوت عليه. ورفع الضرر مبدأ شرعي ثابت يدل قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) .
الفرع السادس
حق التعلّي
حق التعلّي أو حق العلو هو حق الجزء الأعلى من البناء الذي يتكون من بناءين أو من أبنية متعددة مترادفة فوق بعضها , في أن يعلو ويستقر على البناء الأسفل منه , و المملوك لغيره [4] . فإذا كان شخص يمتلك بناء يتكون من طوابق متعددة , فباع الأعلى لآخر فإنه يثبت للمشتري بهذا الحق في علو بنائه الذي اشتراه , واستقراره على البناء الأسفل. وهو حق ثابت لهذا البناء نفسه وليس لصاحبه المشتري. ولهذا فإن باعه المشتري لشخص ثالث فإن حقه في التعلّي والاستقرار على البناء الأسفل يظل ثابتًا له ,لا ينتهي أو يتأثر بتغير مالكه أو موته. وكذا يظل حق التعلّي ثابتًا للبناء الأعلى ولو انهار لأي سبب كان , سواء انهار وحده أو انهار نتيجة لانهيار السفل. ويحق لصاحبه في هذه الحالة إعادة بنائه فوق البناء الأسفل إن أراد , لأن حقه في تعلي بنائه ثابت ويعاد بناء الأسفل إن كان قد انهار ليبنى فوقه [5] .
وهناك حقوق أخرى تثبت لكل من صاحب العلو وصاحب السفل على بعضهما وهي عبارة عن حق كل منهما في من الآخر من أن يتصرف في ملكه تصرفًا يضر ببناء الآخر.
(1) المبسوط , ج 15 , ص 21.
(2) المجلي , ج 8 , ص 280.
(3) المغني ج 4 , ص 572.
(4) المعاملات الشرعية الإسلامية ,ج 1 , ص 48.
(5) حاشية ابن عابدين , ج 5 , ص 52.