فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 94

وعلى هذا:

فالأصل براءة الذمة حتى نجد دليلا يدل على عكس ذلك لأن العقل يحكم ببراءة الذمة حتى يوجد دليل يدل على شغلها بدين أو بغيره فإنه حينئذ يحكم بانشغالها.

وفي هذا الشأن جاء قول العلامة ابن حزم الظاهري:"وكذلك نقول: لمن أدعى أن فلانا قد حل دمه بردة أو زنا عهدناه بريئا من ذلك فهو على السلامة حتى يصح الدليل على ما ندعيه، وكذلك نقول لمن ادعى أن فلانا: العدل قد فسق أو أن فلانا الفاسق قد عدل، أو أن الحي قد مات أو أن فلانة قد تزوجها فلان، أو أن فلانا قد طلق امرأته، أو أن فلانا قد زال ملكه عما كان يملك، أو أن فلانا قد ملك ما لم يكن بملكه -وهكذا كل شيء على ما كنا عليه حتى يثبت خلافه" [1] .

وهذا النوع من الاستصحاب هو الذي ينصرف إليه اسم الاستصحاب عند الإطلاق وهو المعروف بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية [2] .

وقد دل القرآن الكريم على اعتبار هذا النوع من الاستصحاب في آيات كثيرة منها قوله تعالى: (فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ) [3] .

أي أنه لما نزل تحريم الربا خافوا من الأحوال المكتسبة من الربا قبل التحريم فبينت الآية الكريمة أن ما اكتسبوه من الربا قبل التحريم على البراءة الأصلية حلال لهم ولا حرج عليهم فيه [4] .

هذا:

ولعله من الضروري -هنا- أن نشير في عجالة إلى رأي العلماء بشأن حكم الأفعال التي تصدر عن المكلفين بعد البعثة، وهل الأصل فيها الإباحة أولا؟ وذلك لما لهذه الجزئية من صلة واضحة وارتباط ملحوظ باستصحاب الحال -خاصة هذا النوع الذي نحن بصدد الحديث عنه وهو استصحاب البراءة الأصلية، أو العدم الأصلي.

ومن الجدير بالذكر أن نحرر محل النزاع في هذه المسألة حيث أن القول يختلف قبل البعثة عما بعدها.

فقبل البعثة:

(1) راجع: الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم 3/ 772.

(2) راجع اللمع للشيرازي ص 66 وشرح المحلى على جمع الجوامع 2/ 284.

(3) سورة البقرة: الآية 275.

(4) راجع: أصول الفقه للشنقيطي ص 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت